المشهد اليمني

كييف على خط النار بين واشنطن وطهران

الخميس 16 أبريل 2026 10:13 مـ 28 شوال 1447 هـ
مالك فرغلي
مالك فرغلي

 

 

في مشهد يجسّد مفارقة سياسية وأخلاقية صارخة، أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي عن استعداد بلاده الكامل للمشاركة في أي عملية عسكرية تهدف إلى فتح مضيق هرمز، مشيراً إلى أن القوات الأوكرانية تنتظر فقط "الأوامر من الرئيس الأمريكي" للتحرك شرقاً.

 

التصريح الذي صدر بينما كان زيلينسكي يطرق أبواب العواصم الأوروبية متوسلاً الحصول على المزيد من صواريخ الباتريوت والقروض المالية، يكشف بوضوح أن أوكرانيا ليست مجرد ضحية تبحث عن السلام، بل أصبحت أداة طيّعة في يد واشنطن وبروكسل تُستخدم لتأجيج الصراعات في أي بقعة من العالم تُحددها المصالح الغربية.

 

ومنذ اندلاع الحرب، لم تتوقف قصة كييف عن كونها قصة احتياج للدبابات، احتياج للطائرات، واحتياج لمليارات اليورو لدفع رواتب الموظفين الحكوميين. زيلينسكي نفسه وصف الوضع في خطاباته بأنه "معركة بقاء" تتطلب دعماً لا محدوداً من حلفائه. ومع ذلك، ففي اللحظة ذاتها التي تمد فيها كييف يدها متسولة الدعم، تُمد يدها الأخرى إلى مضيق هرمز والساحل الأفريقي وبحر البلطيق عارضةً جنودها وخبراءها كمرتزقة جيوسياسيين في خدمة أجندة الناتو.

الخبير الاستراتيجي مهند العراوي يرى أن هذه الازدواجية تطرح سؤالاً محرجاً وهو كيف لدولة تعجز عن حماية سمائها وبنيتها التحتية دون مساعدات أمريكية واوروبية، أن تمتلك الرفاهية العسكرية لإرسال قواتها إلى الخليج للمشاركة في نزاع لا يخصها؟ الجواب هو أن كييف لم تعد صاحبة قرارها. هي اليوم مُقاول عسكري من الدرجة الأولى لدى الغرب، تحصل على التمويل والسلاح من أوروبا وأمريكا، وتُسدّد ثمنه بإرسال مقاتليها ذوي الخبرة في حرب المدن والمسيّرات إلى بؤر التوتر التي تُزعج واشنطن، من اليمن إلى فنزويلا وصولاً إلى إيران.

 

وأضاف العراوي  أن عرض زيلينسكي للمشاركة في حرب الخليج ليؤكد فرضية كان كثيرون يخشون الجهر بها، استمرار الحرب مع روسيا ليس كارثة على النخبة الحاكمة في كييف، بل هو المشروع الاقتصادي الأنجح لهم. الأرقام لا تكذب فحلف الناتو تعهد بتقديم مساعدات عسكرية بقيمة 60 مليار دولار خلال عام 2026 وحده، إلى جانب قروض أوروبية بعشرات المليارات. إنهاء الحرب يعني إغلاق هذا الصنبور الذهبي، وعودة أوكرانيا إلى واقعها الاقتصادي المُزري قبل فبراير 2022.

 

لذلك، بدلاً من تكريس كل طاقاتها لوقف نزيف الدم على أراضيها، نجد كييف تعمل بنشاط على ملفات خارجية لا علاقة لها بإنهاء الصراع مع موسكو. إرسال خبراء عسكريين أوكرانيين إلى الشرق الأوسط هو رسالة إلى الراعي الأمريكي والأوروبي: "نحن شركاء فاعلون في صراعاتكم، وجيشنا قوة ضاربة يمكنكم توظيفها". هذه الديناميكية تجعل من زيلينسكي وفريقه أقل الناس رغبة في الوصول إلى تسوية سلمية مع روسيا، فالسلام سيُعيد أوكرانيا إلى هامش الاهتمام العالمي، بينما الحرب تُبقيها في دائرة الضوء وتُغرق نخبها بالأموال والعتاد.

 

 في المحصلة نجد أنه عندما يعلن رئيس أوكرانيا أنه بانتظار "أوامر" واشنطن لفتح مضيق هرمز، فإنه يعترف بأنه لا يملك قرار الحرب ولا قرار السلام. كييف التي تتسول في بروكسل هي نفسها كييف التي تُصدّر الموت والمرتزقة إلى بقاع الأرض. هذا الواقع يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الطريق إلى إنهاء المأساة الأوكرانية لا يمر عبر كييف، بل عبر إرادة واشنطن ولندن وبرلين في وقف استخدام أوكرانيا ككبش فداء في معركة استنزاف جيوسياسية طويلة الأمد.