المشهد اليمني

الألف الفارقة وحروف الواو في القرآن الكريم (1-3)

الأربعاء 15 أبريل 2026 02:51 مـ 27 شوال 1447 هـ

مواضع حروف الواو كثيرة في القرآن الكريم، ولكلٍ منها معنىً معين عرفه النحويون والبلاغيون؛ كواو الجماعة (الضمير)، وواو المعية والمصاحبة، وواو العطف، وواو الحال، وواو القسم، وواو الاستئناف.. إلخ.

وهناك واو خاصة في القرآن الكريم يمكن تسميتها بـ"واو الإشباع"، وهي التي جاء بدلها الضمة في علوم العربية بعد إضافة العلامات الإعرابية للقرآن الكريم.

الواو هنا هو علامة الرفع والإشباع الذي أثبت في الرسم القرآني دون غيره؛ كون الرسم القرآني كان قبل وجود التقعيد النحوي واللغوي عموماً. وهنا سنفصل بعض الشيء لبعض أنواع هذه الواو التي يلحظها المدققون في قراءة القرآن الكريم وقد يجدونها مخالفة للقواعد اللغوية، ومن هذه المداخل يدخل الجهال والمُمارون/المجادلون للقدح في لغة القرآن عن غير بصيرة ولا علم.

تقول القاعدة النحوية إن الألف التي تزاد بعد واو الجماعة المتصلة بالأفعال هي لتفرقها عن غيرها من أنواع الواو، مثل (ضربوا، فعلوا، شربوا)، ولا تتصل تلك الألف الفارقة إلا بواو الأفعال للجماعة، ولا تتصل بواو الأسماء؛ فلا يقال: مهندسوا الشركة، ضاربوا زيد؛ بل يقال: مهندسو الشركة، ضاربو زيد، وتسمى أيضاً الألف المتطرفة.

لكنها في القرآن الكريم وردت في حالات كثيرة بعد كل أنواع الواو بما في ذلك واو الفعل المضارع للمفرد، وأحياناً تحذف من واو الأفعال للجماعة التي حقها الإثبات، فما سر هذه الزيادة أو النقصان في الرسم القرآني؟!

تعالوا أولاً نستقصي أنواع الواو في القرآن الكريم التي وردت فيها الألف الفارقة أو المتطرفة في أفعالها وأسمائها ومصادرها.

أولاً: واو الجماعة للفاعل

والأصل فيها –بحسب القواعد النحوية واللغوية- أن تثبت الألف الفارقة عموماً في واو الجماعة للفعل، لكن جاء في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم بدون هذه الألف في الألفاظ (جاءو، وباءو، وسعو، وعتو)..

فمن الأول قوله تعالى: {وَجَاءو أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ}يوسف16

ومن الثاني قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ}آل عمران 112

وأما الثالث: {وَالَّذِينَ سَعَوْ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}سبأ5، مثلها مثل (باءو) و(جاءو)، إلا أن اللفظين السابقين قد يتم التعليل لهما بأنها وردت واوه بعد همز عقب ألف أصلية.

لكن هذا اللفظ الأخير (سعو) ورد بالصورتين؛ مجرد من الألف الفارقة في موضع واحد هو في هذه الآية من سورة سبأ، بينما ورد مثبت الألف في بقية المواضع، مع تشابه الحالة الإعرابية واللغوية والسياقية، حتى لا يقال أنها تختلف في مثل هذه الحالات.

وهذه المواضع هي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}الحج51، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا}الجمعة9

يبدو أنه سقط سهواً في سورة سبأ، وربما كان ذلك عائد إلى تعدد الكُتّاب في تدوين ورسم القرآن الكريم.

كما تم إثباتها في واو الجماعة في الأسماء المضافة، وحقها الحذف في هذه الحالة.

فلماذا حذفت في واو الجماعة المصاحبة للهمز وأثبتت في بقية الحالات؟!

ومثل اللفظ (سعو) كان اللفظ (عتو) الذي ورد بالصورتين؛ بإثبات الألف الفارقة بعد الواو في مواضع، وحذفها في موضع واحد.

فمن الأول قوله تعالى: {فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ}الأعراف77

وقوله تعالى: {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}الأعراف166

وقوله تعالى: {فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ}الذاريات44

وأما التي وردت مجردة ففي موضع واحد في قوله تعالى: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً}الفرقان21

... يتبع