شوقي هائل: أمرتهم أمري!
في حديث تفصيلي، وشهادة على أحداث الحرب والحصار في تعز، منذ 26 مارس 2015 وحتى تاريخ استقالته، قدم محافظ تعز الأسبق الأستاذ علي المعمري تفاصيل مختلفة على تلك الأحداث، أحدثت ضجة في أوساط اليمنيين؛ مواطنين ومسؤولين، وكلٌ أخذ منها جزئية وعلّق عليها، وأنا هنا أقتنص جزئية بسيطة من شهادته تلك –ستتلوها جزئيات أخرى بإذن الله- فيما يخص المحافظ قبله الأستاذ شوقي أحمد هائل، الذي يظهر بين فترة وأخرى مذكراً في صفحته على "فيسبوك" بأنه حاول تجنيب تعز الفوضى والاقتتال، متمثلاً قول الشاعر دريد بن الصمة:
أَمَرتُهُمُ أَمري بِمُنعَرَجِ اللِوى ... فَلَم يَستَبينوا النُصحَ إِلّا ضُحى الغَدِ
فَلَمّا عَسوني كُنتُ مِنهُم وَقَد أَرى ... غِوايَتَهُم وَأَنَّني غَيرُ مُهتَدي
لكن سهام الملامة والتذكير للأستاذ شوقي توجه فقط باتجاه مقاومة تعز وبعض قواها السياسية، ولا توجه للمليشيا الحوثية التي كانت الفاعل الأساسي والمدمر لتعز وقتل أهلها وحصارهم وتشريدهم؛ لأن نقد هذه المليشيا من قبل شوقي سيترتب عليه الإضرار بمصالحه التي تقع تحت احتلال مليشيا الإرهاب الحوثية، بينما على الطرف الآخر لن يوجه المنتَقَدون الملامون ولا حتى لفظ إساءة له فضلاً عن أن يمسوا مصالحه في مناطقهم.
لا ينفع اللوم اليوم وقد جرى كل ما جرى، خاصة وأن الملامة تُصوّبُ فقط باتجاه الحلقة الأضعف التي لا يترتب منها شيء يضر بالأستاذ شوقي ولا مصالحه، فقد كان طرف الشرعية مدافعاً متقياً عدواناً خارجياً من خارج المحافظة أتى لغزوها بكل الوسائل والجرائم والتعبئة الرهيبة، وتم الحشد لها كما لم يتم الحشد لمحافظة غيرها، بالتواطؤ مع بعض أهلها، وكم أتمنى أن يُقصِرَ عن ذلك متمثلاً قول عبديغوث الحارثي:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا فما لكما في اللوم خيرٌ ولا ليا
ألم تعلما أن الملامةَ نفعُها قليلٌ وما لومي أخي من شَماليا
ما الذي جرى أساساً بين الأستاذ شوقي والقوى السياسية في تعز والمليشيا الإرهابية الحوثية حينها ليذكر به بين فترة وأخرى؟!
دعونا نعود للوراء بشيء من التفصيل لما حدث في ذلك الزمن وتلك الظروف..
في الرابع من مارس 2015 –قبل انطلاق عاصفة الحزم بعشرة أيام فقط- رعى محافظ تعز حينها الأستاذ شوقي أحمد هائل اتفاقاً بين كافة القوى السياسية بالمحافظة، بمن فيهم ممثلو الحوثيين في تعز وعنهم سليم مغلس، على تجنيب تعز تشكيل أية مليشيات مسلحة غير الأجهزة الأمنية، حتى لا يؤدي تشكيلها إلى اقتتال داخلي في المحافظة وتدميرها.
اتفاقٌ كان ظاهره إيجابياً، ويسعى إليه كل يمني حريص على بلده، لكنه كان اتفاقاً عدمياً من الاستحالة بمكان تطبيقه أو المضي به حتى النهاية من قبل الحوثي وصالح اللذين يريدان الانتقام من تعز بأحقاد متراكمة، وهي في مرمى كل أسلحتهم التي تعاضدت عليها الأسلحة العسكرية المدمرة، والأسلحة الطائفية الحاقدة، والأسلحة المناطقية المنتقمة، وفي ذلك تفاصيل كثيرة ليس محلها هذا المنشور حالياً.
كان الحوثيون وصالح قد وقعوا اتفاقات مختلفة من دماج في صعدة وحتى صنعاء وإب والبيضاء؛ مع السلفيين ومع الرئيس هادي ومع القبائل في كل خطوة يخطونها في تحركهم وغزوهم صنعاء والانقلاب على الدولة، ولم يكن هناك يمني واحد يثق في هذه الاتفاقيات وهم يرون خرقها ونقضها في كل لحظة، والانقلاب عليها من قبل الحوثي وصالح.
في تلك الظروف كتبت منشوراً أنبه فيه إلى أن هذه المليشيا لن تفي بهذا الاتفاق ولن يكون استثناءً بين كل الاتفاقات السابقة التي تم الانقلاب عليها ونقضها، وأن الأستاذ شوقي يتعامل بحسن نية مفرطة، وبحس التاجر المتخوف على مصالحه، لا بمعرفة من قرأ تاريخ الإمامة وعرف عقيدتها في الاتفاقات والعهود ومراميها من ورائها ولا بحس القيادي العسكري الذي يقرأ ما وراء الأحداث.
عمل صالح والحوثيون على إلباس مليشياتهم الزي العسكري للقوات الأمنية الخاصة، وأدخلوها تعز بأنها قوات نظامية في العشرين من مارس من نفس الشهر للتحايل على ذلك الاتفاق، وكلنا نعلم أنها غير نظامية وإنما هي مليشياتهم إلا الأستاذ شوقي ربما لم يدرك ذلك أو غض الطرف عنها، أو تواطأ مع صالح لا مع الحوثي باعتباره عضواً في اللجنة الدائمة للمؤتمر الشعبي العام، ولم يعترض على دخولها بل إنه برر دخولها حينها باعتبارها قواتٍ نظاميةً، لتعزيز نفوذ وتواجد تلك المليشيا في تعز على الرغم من وجود أكثر من 14 معسكراً يأتمرون بأمر صالح، وكأن كل تلك المعسكرات والأسلحة والجنود لا تكفي، فتم تعزيزها بمليشيات عقائدية ونخبة مدربة قنصاً وتلغيماً وتفجيراً لدك تعز دكاً فيما لو ترددت تلك المعسكرات بدخول الحرب على المحافظة!
كنت أرقب تصريحات شوقي وتحركاته لحظة بلحظة، ليس تشككاً منه ولا تشكيكاً فيه ولا تواطؤاً من قبله ولا تحاملاً عليه؛ بل أرقب إن كان يتخلَّقُ منه قائداً يدخل التاريخ من أوسع أبوابه من أبناء تعز يملك السلطة والمال والجاه وتعاطف الناس والتفافهم حوله؛ كوننا كنا نبحث عن بطل مخَلّص في تلك المرحلة لما نعمله من جرائم الإمامة وتاريخها الأسود وما تكنه لليمن عامة وتعز خاصة، وهل ينجح فيما فشل فيه آخرون، وهل سيكون في صف المواطنين وتعز أم محايداً على الأقل بحسن ظني ولن أقول متواطئاً؟!
كان المواطنون وبعض القوى السياسية يدركون أن هذه القوات التي دخلت تعز إنما هي مليشيا حوثية وأنصار صالح وليسوا عسكريين نظاميين، وقد خبرناهم من تحركاتهم وعدم إجادتهم للحركات العسكرية المعروفة، فضلاً عن معلومات تسرب من أوساطهم لنا في تعز.
ونتيجة لتلك المعرفة، في يوم 24 مارس 2015 احتشد ثوار تعز من الشباب، الذين لم يبارحوا ساحتهم منذ 2011، أمام معسكر الأمن المركزي في مدخل مدينة تعز وحاولوا الاعتصام فيها سلمياً لمنع الحوثيين من غزو المدينة، بينما كانت المقاومة الشعبية تتشكل منذ ما قبل الاتفاق مع شوقي، كانت وتدرك كل تلك الألاعيب من غزو المحافظة ومن إفشال الاعتصامات والمظاهرات وتم الاعتداء عليهما، ولكن لم تحن ساعة الصفر لتحركها.
وبالفعل قامت المليشيا الحوثية وقوات الأمن المركزي الداخلية بارتكاب مجزرة بحق الشباب المتظاهرين في تعز أمام بوابة الأمن المركزي، والتي استمرت لست أيام على التوالي، استشهد فيها أربعة متظاهرين وجُرح أكثر من 65 آخرين لدى إطلاق مليشيا الحوثي وصالح المتزيّاة بزي قوات الأمن الخاصة النار على المتظاهرين في مدينة تعز، وبالتزامن معها قتلت هذه المليشيا اثنين من الشباب المسالمين في مدينة التربة جنوبَ المدينة، كانت عبارة عن تعزيزات حوثية وعفاشية للتربة مخالفة بذلك الاتفاق مع شوقي ورافضة أوامر المحافظ بعدم استعمال القوة مع الشباب، وعدم تحريك تلك القوة (المليشيا) إلى التربة، والتي دفعت المحافظ شوقي يومها لتقديم استقالته من منصبه محافظاً لمحافظة تعز.
وبعدها أدرك الشباب أن لا فائدة من الاعتراضات بالوسائل السلمية المعهودة للمحافظة، وهم يسمعون صادق أبو شوارب يقول إنه سيقود كل أبناء تعز المبنطلين بالعصا، بينما سبقه صالح بالقول إنه سيجر كل تعز بطقم عسكري واحد!
كانت المقاومة تتشكل، وبدأت مليشيا الحوثي وصالح تحتل وتتمركز في المؤسسات وتحتل المباني الاستراتيجية الحاكمة على الشوارع وبدأت الحرب وتحرير المدينة بعدها من طاقة لا طاقة ومن بيت إلى بيت (كما هدد صالح من قبل)، وتم تدمير تعز فعلاً كما كانت التهديدات، وقد أراهما أبناء تعز كيف يكون المبنطلون أثناء الوغى.
في الحقيقة كانت استقالة شوقي من منصبه هو بمثابة فتح الطريق أمام تحرك المقاومة في السادس عشر من أبريل 2015 دون قيود بعد أن نكثت المليشيا بالعهد والاتفاق، وكان وجود شوقي معرقلاً لتحركات المقاومة، حرصاً منه على عدم انفجار الحرب بين الجانبين، وقد ظل المنصب شاغراً قرابة عشرة أشهر ليتم تعيين النائب علي المعمري خلفاً له محافظاً لتعز في يوم 17 يناير 2016.
يرى الأستاذ شوقي كل ذلك فيعود للتذكير بين لحظة وأخرى بهذا الأمر وأنه أمرهم فلم يستبينوا الرشد إلا مؤخراً، وهكذا بعض الكتاب المقربين منه المرتبطين بمصالحهم معه يكررون نفس الأسطوانة وأحياناً يتبنون حملات إعلامية منظمة لا للوم الجلاد بل للوم الضحية!
هو تاريخ لا يمكن محوه أو القفز عليه، ولا بد لكل حدث من تدوين للأجيال القادمة حتى تعلم ظروف اللحظة التي مررنا بها وعشناها في اليمن أثناء الانقلاب، وليس تدويناً لرغبات فلان أو تعاطفاً مع شخص يمكن أن تلغى محطة من محطاته قد لا تعجبه أو لا تعجب آخرين.
بكل تأكيد هناك أشياء كثيرة لم يذكرها الأستاذ المعمري عما عانته وتعانيه تعز بشكل مستمر، وعن ظروف انطلاق المقاومة وشرارتها الأولى، ومن القوى المشاركة في انطلاقتها، وقد حاول كثيراً أن يسدد ويقارب ويجامل البعض حتى لا يحنق منه البعض فقد كان موائماً بين كثير من المواقف، والحال هذه لا تحتاج هذه الظروف المجاملة لجهة أو أحد؛ فهو تاريخ يصنع، ومواقف تسجل، لا مجال فيها لصناعة أدوار لأناس ليس لهم دور، ولا غمط أناس كان لهم قصب السبق لمقاومة هذا الاحتلال الطائفي العنصري المناطقي لقوى الشر والإرهاب والحقد والانتقام؛ فالتاريخ لا يرحم، ولا يجامل، ولا يسكت عن المتآمرين، أو المتخاذلين، أو المثبطين.
