خديعة النخبة وسقوط الأقنعة.. فلسطين كجسر للمشروع الفارسي
لطالما سُوّق لنا وهم كبير مفاده أن القضية الفلسطينية تدار بعقول نخبة مثقفة، وشعب بلغ من النضج الفكري ما يجعله عصياً على الاختراق. لكن الصدمة التي نعيشها اليوم كشفت عن "ارتهان وظيفي" مخجل؛ حيث تحولت قطاعات واسعة من هذه النخبة إلى مجرد أدوات في ماكينة المشروع الفارسي، الذي لم يجد طريقاً لإنفاذ أجندته التوسعية في المنطقة إلا عبر بوابة فلسطين وشعار العداء للصهيونية.
لم يعد "التأيرن" مجرد مماحكات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحول إلى ظاهرة تنمو وتتسع، وسلوك يتكاثر بشكل لافت. ولم يكن المنخرطون فيه بحاجة إلى مثل هذه الحروب ليظهروا ولاءهم أو يتجهوا نحو طهران؛ لكنها جاءت موافقة لأهوائهم، فأعلنوا انتماءهم بلا حرج، وتناسوا سنوات من القهر والخوف التي عاشها العرب والمسلمون. يحدث كل ذلك تحت شعار يبدو في ظاهره الرحمة، بينما يخفي في باطنه التقية والعذاب.. شعار: فلسطين.
مشكلتنا الحقيقية لا تكمن في وجود "عرب متأيرنين" فحسب، بل في الكم الهائل من النخب التي قبلت أن تكون مجرد أدوات لخدمة مشوع ع إقليمي غريب عن الهوية العربية. هؤلاء لم يبيعوا مواقفهم فقط، بل زيفوا الوعي الجمعي حين صوروا أن طريق القدس يمر فوق أنقاض العواصم العربية المحتلة من قبل الميليشيات الطائفية.
إن إعادة تعريف "العدو الحقيقي" الجاثم على صدور الأمة أمر بالغ الأهمية وقد آن أوانه. فالحقيقة التي يجب أن تقال بصراحة ودون تردد هي أن إيران وإسرائيل وجهان لعملة واحدة؛ كلاهما مشروع استعماري يستهدف تفتيت الدولة الوطنية العربية. فبينما تقضم إسرائيل الأرض، تنهش إيران الهوية وتمزق المجتمعات، وكلاهما يتغذى على جراحنا وضعفنا.
وهذا السقوط الذي نراه هو نتاج تزاوج خبيث بين الإرتزاق و "الحاجة المادية" للتمويل والصعود للواجهة، وبين "خلل بنيوي" في التفكير النخبوي، الذي عجز عن إنتاج معرفي واحد، وبناء مشروع وطني مستقل، فارتمى في أحضان "المخلص المزيف". هذا الارتهان جعل من قضية فلسطين مجرد "ورقة تفاوض" في ملفات طهران النووية، بدلاً من كونها قضية تحرر وطني بامتياز وحق عادل لا يقبل المساومة.
إن البداية الحقيقية للحل تبدأ من استرداد السيادة الفكرية، والإيمان بأن كرامة العربي لا تتجزأ؛ فلا حرية لفلسطين بوجود تبعية لإيران، ولا نهضة للأمة إلا بكنس المشروعين معاً عن صدورنا، والدماء التي تراق في اليمن لا تختلف عن الدماء التي تسفك في غزة. فالتحرر ليس شعاراً يستورد من طهران ليطبق في القدس، بل هو قرار عربي ينبع من الرياض والقاهرة وصنعاء وبغداد ودمشق وبيروت.
معركتنا الكبرى اليوم هي معركة "استعادة البوصلة"؛ فمن لا يرى في الاحتلال الفارسي لمدننا خطراً يوازي الاحتلال الصهيوني لأرضنا، فهو إما غافل يجهل التاريخ، أو شريك في صياغة الهزيمة، ويسعى جاهداً للتخفيف من وطأتها. إن القبول بتمزيق الجسد العربي في صنعاء وبغداد وبيروت مقابل "وعودٍ وهمية" بتحرير القدس، ليس نضالاً بل هو انتحار قومي كامل الأركان، وليس تقليلاً من أهمية هذه القضية، لإنها حق عادل. فمن فرّط في سيادة عواصمه العربية، وتفخيخ المجتمعات وتطييفها، لن يكون مؤتمناً على ذرة تراب في فلسطين، فالمبادئ لا تقبل المزاجية، والحرية لا تُجزأ ولا تُشترى ببيع الهوية.
* (المصدر أونلاين)
