المشهد اليمني

هل تدفع واشنطن ثمن حرب إيران؟ منصات النيران الخليجية تنتظر التعويض

الإثنين 9 مارس 2026 03:25 صـ 20 رمضان 1447 هـ
الكاتب .. د. مالك فرغلي .. الباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية
الكاتب .. د. مالك فرغلي .. الباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية

شكلت الضربات الأمريكية الواسعة على إيران، والتي انطلقت فجر السبت 28 شباط/فبراير 2026 من قواعد عسكرية أمريكية منتشرة في منطقة الخليج العربي، صدمة استراتيجية غير مسبوقة لحلفاء واشنطن في دول مجلس التعاون، فبينما وجدت هذه الدول نفسها فجأة في خضم مواجهة مفتوحة لم تخطط لها ولم تُستشر بشأنها، تحولت أراضيها ومنشآتها الحيوية إلى أهداف شرعية للردود الإيرانية العنيفة، فخلال الأيام الأولى للحرب، استهدفت صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية البنى التحتية والاقتصادية في السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وعُمان، ما أدى إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.

تبريرات واشنطن.. بين السرية العملياتية والضغوط الخلفية

تواجه الإدارة الأمريكية انتقادات حادة من حلفائها الخليجيين بسبب ما يعتبرونه "تجاهلاً متعمداً" لمصالحهم الحيوية، لكن قراءة المشهد من الداخل تكشف صورة أكثر تعقيداً، فبحسب مصادر مطلعة، كان التناقض الصارخ بين الموقف العلني والضغوط الخلفية سمة بارزة في الأيام التي سبقت الهجوم، فنقلاً عن صحيفة "واشنطن بوست"، كشفت تقارير أن مسؤولين خليجين أجروا عدة مكالمات مع الرئيس ترامب محذرين من أن إيران ستخرج أقوى إذا لم تُهاجم، بينما أصدرت في الوقت نفسه بيانات أكدت فيه رفضها استخدام أراضيها منصة للانطلاق، هذا الموقف المتناقض يعكس حالة الارتباك التي تعيشها العلاقات الأمريكية الخليجية.
أما التبرير الرسمي غير المعلن، فيركز على عاملين أساسيين، الأول يتعلق بالسرية العملياتية القصوى، حيث رأت واشنطن أن إبلاغ الحلفاء مسبقاً قد يعرض العملية للتسريب أو يضعهم في موقف سياسي محرج مع شعوبهم، خاصة أن ثلاث دول خليجية على الأقل سعت إلى ثني الإدارة عن الهجوم، أما الثاني، فيتعلق بالقراءة الأمريكية الخاطئة لحجم الرد الإيراني، فقد راهنت واشنطن على أن طهران ستلتزم بقواعد الاشتباك التقليدية، لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً، فنقلاً عن "الجزيرة"، يصف رئيس مركز المدار للدراسات السياسية الدكتور صالح المطيري الموقف قائلاً "دول الخليج لم تكن مؤيدة لاستهداف إيران، إذ دعمت مسار المفاوضات ونصحت الإدارة الأمريكية بعدم توسيع المواجهة"، بل إن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ذهب أبعد من ذلك، معترفاً بأن تحركات الولايات المتحدة "ربما تكون غير متوافقة مع القانون الدولي"، مشيراً إلى أن واشنطن وتل أبيب تصرفتاً "دون إشراك الأمم المتحدة أو التشاور مع الحلفاء".

فاتورة الخليج الباهظة في زمن الحرب
بينما تتزايد الخسائر يوماً بعد يوم، يبدو ملف التعويضات معلقاً في منطقة رمادية، فمن الناحية الرسمية، لم يصدر أي تصريح أمريكي يوحي بوجود نية لتعويض دول الخليج، سواء عن الأضرار المادية المباشرة أو عن الاستنزاف غير المسبوق لمخزوناتها الدفاعية، وتكشف الأرقام حجم الكارثة، فنقلاً عن مجلة "الإيكونوميست"، أطلقت إيران في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب أكثر من 300 صاروخ باليستي على إسرائيل ودول خليجية، الأمر الذي استدعى إطلاق حوالي 800 صاروخ اعتراضي من طراز "باتريوت" و"ثاد" في غضون يومين فقط، وبحسب تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، فإن الوضع بلغ درجة حرجة، حيث لم يبق لدى قطر سوى صواريخ اعتراضية تكفي لأربعة أيام فقط.
ويبدو أن واشنطن تتعامل مع الأزمة من منظور مغاير، إذ تعتبر أن ما تقدمه من حماية جوية وصاروخية هو بمثابة تعويض غير مباشر، وقد أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كاين أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت مجتمعة مئات الصواريخ التي كانت تستهدف القوات الأمريكية وشركاءنا، مشدداً على أن هذه المنظومات تعمل كما هو مخطط، غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن كلفة هذه الحرب تتجاوز بكثير حدود الاستنزاف العسكري. فنقلاً عن "سي ان ان" قال مسؤول خليجي إن بعض حلفاء الرئيس ترامب بدأوا مراجعة داخلية لاستثماراتهم الخارجية البالغة نحو 3 تريليونات دولار في الاقتصاد الأمريكي، لتحديد إمكانية تفعيل بنود القوة القاهرة في العقود، في محاولة للضغط على واشنطن لإنهاء الحرب، هذا التحرك يعكس حجم الإحباط الخليجي، خاصة مع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز وتوقف مصافي النفط وإنتاج الغاز الطبيعي المسال، في وقت تستمر فيه إيران باستنزاف أنظمة الدفاع الجوي بموجات متتالية من الطائرات المسيرة الرخيصة.
في المحصلة، تكشف الأزمة الراهنة عن تحول جوهري في طبيعة التحالف الأمريكي الخليجي، فبينما تتصاعد الأصوات المطالبة بتعويضات عادلة، يبدو أن واشنطن تمضي قدماً في حربها غير آبهة بحجم الفاتورة التي يدفعها حلفاؤها، وقد عبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورجتاون مارك لينتش عن هذا المأزق بدقة، محذراً من أن عدم قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها قد يؤدي إلى خسارتهم، ومشيراً إلى أن ما يثير قلق قادة الخليج أكثر هو رفض واشنطن لرؤيتهم، وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً، هل ستتحمل الولايات المتحدة مسؤولية قراراتها المنفردة، أم أن منطقة الخليج مقبلة على إعادة تعريف جذرية لمفهوم التحالفات الدولية؟