المشهد اليمني

رسالة من اليمن إلى الأستاذ القدير عمرو موسى

الأحد 8 مارس 2026 02:23 مـ 19 رمضان 1447 هـ

تابعت النقاش الذي دار بين الأستاذين القديرين عمرو موسى وعبدالرحمن الراشد على منصة (X)، وأجدني بصفتي يمنيا معنيا بهذا الموضوع، أتفق مع ما طرحه الأستاذ عبدالرحمن الراشد، واسمحوا لي أن أساهم في الحديث عن ضرورة الحرص على ألا تتأثر مواقف النخب والسياسيين العرب بموقع الخطر أو جغرافيته أو مكانه.
خطر النظام الإيراني بالنسبة لليمن والسعودية ودول عربية أخرى ليس مجرد تحليل نظري أو صراع شعارات نسمعها بين الوقت والآخر، بل واقع يومي عايشته هذه الدول منذ عقود عبر الصواريخ والمسيرات والمفخخات والمليشيات التي عاثت في الأرض فسادا، وأنتجت أسوأ الأوضاع الإنسانية في العالم كما وصفتها تقارير الأمم المتحدة.
نحن نتحدث عن مئات الآلاف من الضحايا وملايين المتضررين والمهجرين والجياع.. نتحدث عن مدن عربية مدمرة بالكامل ودول مقسمة وملايين الألغام التي زرعتها المليشيات التابعة لإيران في البر والبحر وتنتظر الانفجار لتبتر أطراف أطفالنا ونساءنا في اليمن وسوريا وغيرها من الدول العربية المصابة بلوثة النظام الإيراني.
في المقابل.. نتفهم موقف بعض النخب المصرية من بينهم الأستاذ القدير والمحترم عمر موسى، الذي ينظر إلى التهديد الإسرائيلي باعتباره الخطر القومي الأقرب والأكثر حضورا في الوعي المصري بحكم القرب الجغرافي والصراع التاريخي المباشر مع إسرائيل، وهو موقف نشاركهم إياه ونقف إلى جانبهم فيه في كل مرحلة. لكن من المهم الإشارة إلى أن اختلاف موقع الخطر لا يعني إنكار وجوده عند الآخرين. فكما يشعر أخونا المصري أو الفلسطيني أو حتى اللبناني بأثر التهديد والخطر الإسرائيلي القريب، يشعر اليمني والسعودي والخليجي بذات الأثر والخطر الإيراني الذي يلامس حدودهم وكرامتهم وعقيدتهم وأمنهم وقوتهم ويسفك دمهم في كل لحظة.
وبناء على ذلك، لا بد من المقاربة المتوازنة التي تقتضي الاعتراف بأن الدول العربية تواجه أكثر من تهديد وجودي في ذات الوقت وبمستويات مختلفة. الأول الخطر الإسرائيلي الذي يتركز في فلسطين ومحيطها، أما الثاني وصلت صواريخه ومسيراته وألغامه ومليشياته وخلاياه إلى اليمن وسوريا والسعودية والإمارات وقطر والعراق والبحرين والكويت ولبنان وتسبب في سحق شعوب بأكملها. أي أن الخطر الإيراني قد تمدد فعليا داخل عدة دول عربية.. فلماذا يتم التركيز على الأول ويتم تجاهل الثاني أو على الأقل التقليل من خطورته؟! أنا كيمني أتساءل: هل دماءنا من ماء ومصالحنا ودولنا غير مهمة في نظر بعض النخبة والسياسيين العرب؟!
أستاذنا القدير عمرو موسى..
الحقيقة أن التضامن يجب أن يكون بالإنصات إلى مخاوف وأوجاع كل دولة عربية لا بعضها فقط، وبهذا الشكل يتم تعزيز الأمن الجماعي العربي. يجب النظر إلى الأمن العربي باعتباره منظومة واحدة ومتكاملة، بحيث يتم مراعاة مخاوف أمنّا العظيمة مصر وشقيقتنا الغالية فلسطين من الخطر الإسرائيلي، وكذلك تسجيل موقف حازم مما تتعرض له اليمن ودول الخليج وبقية الدول العربية جراء عدوان النظام الإيراني منذ عقود.
ثمة فرق بين "المخاوف" من تمدد إسرائيل، وبين "العدوان" العملي الذي تعرضت له وما زالت نحو تسع دول عربية..!
وبصيغة أخرى، ثمة فرق بين خطر تخشى النخبة العربية تمدده مستقبلا، وخطر قائم بالفعل ندفع ثمنه منذ عقود.