المشهد اليمني

الإنكار كأداة حرب: كيف تدير إيران ضرباتها دون تبنٍ رسمي

الجمعة 6 مارس 2026 12:38 صـ 16 رمضان 1447 هـ

تطلق إيران الصواريخ والمسيّرات سواء من أراضيها مباشرة أو عبر الفصائل المرتبطة بها في المنطقة ، ثم يخرج مسؤولو خارجيتها لينفوا المسؤولية أو يتحدثوا بعبارات ملتبسة توحي بعدم العلم . قد يبدو هذا المشهد للوهلة الأولى متناقضًا أو حتى مثيرًا للسخرية لكن القراءة الاستراتيجية تكشف أنه ليس ارتباكًا دبلوماسيًا بقدر ما هو جزء من نمط حرب محسوب . فالدول التي تعتمد أسلوب الحرب غير المباشرة تحرص غالبًا على الفصل بين الفعل العسكري والخطاب السياسي ، بحيث يبقى المجال مفتوحًا للإنكار حتى عندما تكون المؤشرات العملياتية واضحة . في أدبيات الدراسات الأمنية يُعرف هذا الأسلوب بما يسمى “الإنكار القابل للتصديق” ، أي خلق وضع يمكن فيه للجميع أن يدرك من يقف خلف الفعل لكن دون اعتراف رسمي يسمح بتحويله إلى مسؤولية قانونية مباشرة على مستوى الدولة .

 
هذا النمط يخدم قبل كل شيء إدارة التصعيد . فإيران تدرك أن الدخول في مواجهة صريحة ومباشرة مع قوى كبرى يحمل مخاطر تتجاوز قدرتها الاقتصادية والعسكرية على التحمل . لذلك تسعى إلى توجيه الضربات ضمن مستوى معين من التصعيد يسمح بإيصال الرسائل العسكرية دون تجاوز العتبة التي قد تؤدي إلى حرب شاملة . هنا يصبح الإنكار أداة سياسية بقدر ما هو خطاب دبلوماسي؛ فحين تنفي طهران مسؤوليتها فهي لا تنفي وقوع الضربة بقدر ما تحاول إبقاء الباب مفتوحًا أمام التراجع أو التهدئة ، وتمنع الخصم من تحويل الهجوم إلى ذريعة قانونية أو سياسية لرد واسع .
 
كما أن هذا الأسلوب يرتبط ببنية الحرب بالوكالة التي بنتها إيران خلال العقود الماضية فبدل الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة فقط ، طورت طهران شبكة من الفصائل المسلحة المنتشرة في أكثر من ساحة إقليمية ، من لبنان إلى العراق واليمن . هذه الشبكة تعمل وفق مبدأ يمكن وصفه “بالتحكم دون التبني”: دعم بالسلاح والتدريب والتخطيط والاستخبارات مع ترك التنفيذ الميداني للفصائل وفق عقيدة إيرانية تُرسَم فيها عتبات التصعيد استراتيجيًا من قبل بينما تتولى الفصائل إدارة الإيقاع العملياتي داخل هذا السقف بما يتيح لطهران الحفاظ على مسافة إنكار سياسية . وبهذا الشكل يتحقق لإيران هدفان في آن واحد؛ توسيع نطاق الضغط العسكري على خصومها ، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بمسافة سياسية تسمح لها بالقول إنها ليست طرفًا مباشرًا في العمليات .
 
للإنكار بعد آخر لا يقل أهمية يتعلق بالحرب القانونية والإعلامية . ففي النظام الدولي الحديث الاعتراف العلني بالمسؤولية عن هجوم عسكري قد يفتح الباب أمام سلسلة من التبعات القانونية والسياسية ، بدءًا من تفعيل حق الدفاع عن النفس لدى الطرف المستهدف وصولًا إلى فرض عقوبات أو بناء تحالفات دولية مضادة . لذلك تفضّل بعض الدول إبقاء العمليات ضمن مساحة رمادية: الجميع يدرك ما يحدث لكن لا يوجد اعتراف رسمي يثبت المسؤولية على مستوى الدولة . هذه المنطقة الرمادية تمنح هامشًا واسعًا للمناورة وتحوّل الصراع إلى لعبة إدراك وسرديات بقدر ما هو مواجهة عسكرية .
 
كما يخدم الإنكار أيضًا إدارة المشهد الداخلي. فالنظام الإيراني يحتاج إلى خطاب مقاومة يظهره في موقع المواجهة مع خصومه لكنه في الوقت نفسه يدرك حساسية الانخراط في حرب مفتوحة قد تتحول إلى عبء اقتصادي وأمني كبير . ومن هنا يسمح الإنكار للجمهور الداخلي بسماع خطاب القوة بينما يبقى مستوى الانخراط الرسمي في الحرب محدودًا .
 
في النهاية ما يبدو للمتابع تناقضًا أو نفياً مضحكًا هو في الواقع جزء من عقيدة الحرب غير المتكافئة التي تبنتها إيران منذ عقود .