المشهد اليمني

الضوء الذي جاء من السعودية.. ثم انطفأ

الأربعاء 4 مارس 2026 10:19 مـ 15 رمضان 1447 هـ

لم تكن أول لمبة كهرباء أضاءت القرية مجرد تطور تقني بسيط، بل كانت انعكاسا مباشرا لمرحلة اقتصادية كاملة عاشها اليمن لعقود. 

يومها.. حين عاد علي أحمد الكليبي، وهو أحد المغتربين من السعودية محملا بما كان يُعرف بـ(خير الغربة) ، لم يكن المشهد حدثا عابرا في قرية نائية ، بل صورة مصغرة لعلاقة اقتصادية واجتماعية عميقة ربطت اليمن بالسعودية ودول الخليج لسنوات طويلة.

أتذكر ونحن صغار تلك الأيام التي عاد فيها من السعودية. لا أتذكر في أي مرحلة دراسية كنت بالضبط ، لكنني أتذكر المشهد وكأنه أمامي الآن. كان مغتربا حاله حال الكثير من اليمنيين الذين كانوا في تلك الفترة يعملون في السعودية في شتى المجالات.

في ذلك الوقت ، كان اليمني يسافر إلى السعودية بكل يسر وسهولة ، كأنه يسافر إلى أي مدينة يمنية صنعاء أو الحديدة أو تعز. 

لم تكن هناك تعقيدات في الأمر ، ولا طلب فيزة كما هو الحال اليوم ، ولا إجراءات طويلة ومعقدة. كانت الحركة طبيعية ، والعلاقة مفتوحة، والعمل متاحا في المقاولات العامة، والبناء، والتجارة، والزراعة، وغيرها من المجالات.

يقال.. وهو مثل كان متداولا بكثرة حتى وقت قريب، إن المدن السعودية بنيت بأكتاف اليمنيين. قد يكون في القول شيء من المبالغة، لكن لا شك أن اليمنيين كانوا يشكلون حضورا واسعا في النهضة العمرانية هناك. 

لم تكن العودة فردية أو محدودة ، بل كانت عودة جماعية غير مسبوقة. خلال أشهر قليلة فقط حسب تقديرات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية ، عاد ما بين 800 ألف ومليون يمني إلى بلد لم يكن مهيأ لاستقبالهم. رقم ضخم بمعايير أي اقتصاد، فكيف باقتصاد كان يعتمد أصلا على تحويلاتهم. 

 وكانت تحويلاتهم تمثل نسبة كبيرة من الاقتصاد اليمني ، إذ قدرت بعض الدراسات أنها شكلت ما بين 25% إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي في أواخر الثمانينيات.

جاء ومعه الكثير من الهدايا ، والكثير من البطانيات التي كانت تُسمى (أبو دب)، العلامة التجارية الأصلية. وكان المغتربون يأتون ومعهم المفارش والأثاث الفاخر ومستلزمات المطابخ والعطورات والعود والشيلان الحمراء ماركة (عجلان) والأثواب البيضاء الضخمة. كان هناك رخاء ظاهر، وكان الناس في خير.

كان مجاهد وأخوه أحمد (رحمه الله) أوفر حظا من بقية الأولاد ، فوالدهما في السعودية لم يكن ينسى شيئا. الدفاتر والشمط والأقلام وربما كل ما يحتاجون إليه تصل إليهما كما لو أن الغربة نفسها ترعاهما من بعيد. المغترب لا يعود خالي اليدين، بل يعود ومعه الخير. 

كان علي أحمد الكليبي يمتلك كما عرفت لاحقا ، محلات تصوير وطاحونا وبقالة ، وكان ميسور الحال مثله مثل كثير من المغتربين. وكان له شريك من بيت الجبري ، رجل فاضل جدا لا يحضرني اسمه اليوم. يومها لم تكن القيود كثيرة ، وكان اليمني يتملك ويبيع ويشتري بقدر واسع من الحرية.

إلى جانب التحويلات ، كانت اليمن تستفيد من دعم خليجي مباشر، خصوصا من الكويت والسعودية. فقد مول الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية مئات المشاريع في اليمن منذ السبعينيات ، من بينها مشاريع في جامعة صنعاء على سبيل المثال (كلية الطب) ، ومستشفى الكويت في صنعاء، ومشاريع طرق ومياه وكهرباء وسدود ومدارس وغيرها. 

كما قدمت السعودية دعما ماليا وتمويلا لمشاريع تنموية متعددة. كان الاقتصاد اليمني مرتبطا ارتباطا وثيقا بتحويلات المغتربين والدعم الخليجي.

لكن عام 1990 شكل نقطة التحول الكبرى. بعد اجتياح العراق للكويت ووقوف اليمن سياسيا مع العراق، خرج مئات الآلاف من اليمنيين من السعودية نتيجة تشديد الإجراءات ونظام الكفالة.

 تشير التقديرات إلى أن ما بين 800 ألف ومليون يمني عادوا خلال أشهر قليلة. انخفضت التحويلات بشكل حاد، وواجه الاقتصاد اليمني صدمة كبيرة، وارتفعت البطالة والفقر.

وجد كثير من العائدين أنفسهم بلا عمل وبلا سكن كاف. بعضهم كان قد أمضى عشرات السنين في السعودية، ولم يكن قد استثمر مدخراته داخل اليمن، إذ كان يعتقد أن العودة للعمل ستظل متاحة. اتجه بعضهم إلى الجيش والأمن أو إلى مهن بسيطة بأجور محدودة.

اما علي الكليبي فكان واحدا من اولئك الذين اضطروا للعودة. عاد لا ليجد حياة تنتظره ، بل ليبدأ من الصفر. بعد سنوات من حياة ميسورة وطيبة في الغربة وجد نفسه امام واقع مختلف تماما. حاول في البداية ان يجد عملا يعينه على الاستقرار، لكن الابواب كانت موصدة والفرص شحيحة.

لم يكن أمامه كما لم يكن امام كثيرين من ابناء جيله، سوى طريق واحد: الالتحاق بالجيش او الاجهزة الامنية. وهكذا بدأ حياة جديدة لا تشبه ما كان عليه بالامس. انتقال قاس من حياة الكرامة والاستقرار في الغربة الى بداية شاقة مليئة بالتحديات.

كانت تلك المرحلة بالفعل مرحلة انتقال صعبة لجيل كامل. جيل انتقل فجأة من حياة المغترب الذي يعيش في افضل حالاته وأطيبها ، يعمل ويكسب ويخطط لمستقبل اكثر استقرارا ورخاء ، الى واقع اخر يفرض عليه ان يعيد بناء حياته من جديد وان يتأقلم مع ظروف لم يخترها بنفسه.

تخيلوا فقط حجم الفارق بين هاتين الحياتين: حياة مغترب يعيش ايامه في سعة وطمأنينة ، وحياة اخرى تبدأ من نقطة الصفر مثقلة بالقلق والاسئلة. ذلك الفارق لم يكن مجرد تغيير في العمل او المكان ، بل كان انقلابا كاملا في مسار الحياة.

يبقى في الذاكرة مشهد الماطور الكهربائي الذي جاء به لإنارة القرية. بنيت له غرفة من الطوب، ومدت الأسلاك إلى البيوت ، وأضاءت (اللمبات) لأول مرة. 

ليلة دخول الكهرباء كانت مشهدا لا ينسى على الإطلاق ، ناس تعيش على الفوانيس البدائية القديمة ، وفجأة يدخل الضوء بضغطة زر. لم ينم الكثير من أهل القرية في تلك الليلة من الدهشة. لكن المشروع لم يستمر كما بدأ. 

في تلك السنوات، لم يكن في القرية جهاز تلفزيون إلا عند المغترب ، وربما عند بعض التجار أو المسؤولين في القرى المجاورة أو في المدن. كان التلفزيون شيئا نادرا، أشبه بنافذة تفتح على عالم بعيد. 

أتذكر كيف كان أهل القرية يذهبون كل مساء إلى منزل علي أحمد الكليبي لمشاهدة نشرة التاسعة. 

من تلفزيون صنعاء. يجلس الرجال متقاربين ، والأطفال يلتفون حولهم، في صمت يكاد يكون كاملا.

لم تكن هناك قنوات فضائية كما هو الحال اليوم. كانت قناة اليمن، أو كما كنا نسميها قناة صنعاء، هي الوحيدة التي يشاهدها الناس لمتابعة الأخبار، خصوصا أخبار اجتياح العراق للكويت وما تبعه من حرب الخليج. 

من ذلك التلفزيون الصغير، في بيت مغترب عاد بالخير ، كان الناس يتابعون أحداثا كانت ستغير مصير مئات الآلاف من اليمنيين، وربما مصير القرية نفسها.

لكن بعد فترة من التشغيل ، بدأت بوادر التعثر تظهر تدريجيا . لم تكن المشكلة أعطالا فنية أو خللا في الماطور، بل كانت نتيجة عوامل اجتماعية واقتصادية، أبرزها تراكم الاشتراكات وعدم التزام بعض الأهالي بالسداد المنتظم.

شيئا فشيئا ، خفت الضوء. لم يعد يشتعل كل ليلة كما في البداية. تقلصت ساعات التشغيل ، ثم توقفت تماما . وعادت الفوانيس إلى مكانها القديم ، وعاد الظلام ليتسلل إلى البيوت كما لو أن تلك الليلة المضيئة كانت حلما عابرا يا جابر محسن. 

تلك هي القصة؛ غربة أنارت القرى، ثم قرار سياسي غير المسار، وعودة جماعية كشفت هشاشة الاقتصاد، بين ذاكرة الضوء وصدمة الواقع.