المشهد اليمني

‏نهب أراضي الدولة والمواطنين

الثلاثاء 24 فبراير 2026 12:34 صـ 6 رمضان 1447 هـ

عرف عن الأسَر الإمامية نهمها لحيازة ونهب أراضي اليمنيين بوسائل مختلفة منذ أن جاء مؤسس السلالة الهادوية يحيى الرَسِّي بن طباطبا إلى اليمن.
فبعد كُلِّ حرب يشنونها على اليمنيين الذين يرفضون حكمهم العِرْقي، يقوم هؤلاء السلاليون بنهب أراضيهم وأملاكهم وأموالهم بعد قتلهم أو تشريدهم وتهجيرهم لتتحول هذه الأموال والأراضي مع الأيام إلى إرث خاص بهذه الأسر في سجلات مكتوبة كحق للناهب الأوَّل ولذُرِّيته من بعده( ).
وكما فعلت جماعة الحوثي عندما شرعنت نهبها لأملاك اليمنيين الذين رفضوا سيطرتها على المدن اليمنية بقوة السلاح، حيث وصفتهم بالعملاء والمرتزقة والخونة وعيَّنت ما يُسَمَّى بالحارس القضائي لنهب أملاكهم، كان الأئمة يوجدون تشريعات ومسوغات لعمليات النهب، أبرزها تكفير اليمنيين ووصفهم بـ «المجبرة» و «المشبهة»( ) وكفار التأويل، وأن حربهم وقتلهم وسلب أموالهم مشروع بذريعة الجهاد في سبيل الله. فقد أجاب الإمَام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم بن محمد على من سأله عن مشروعية نهب أموال سكان «اليمن الأسفل»: إنَّ «مَذهَبَ أهْل العدل ـ زاد الله فيهم ـ أن المجبرةَ والمشبِّهةَ كفارٌ، وإنَّ الكفارَ إذا استولوا على أرض ملكوها، ولو كانت من أراضي المسلمين وأهل العدل، وإنَّه يدخل في حكمهم مَن والاهم واعتزى إليهم، ولو كان مُعتقده يخالف مُعتقدهم. وإنَّ البلدَ الذي تظهر فيه كلمةُ الكفرِ بغير (تصيرُ) جوار كفريَّة، ولو سَكنها مَن لا يعتقد الكفرَ ولا يقول بمقالة أهْله. هَذِه أصُولٌ معلومةٌ عندنا بأدلتها القطعيَّة، ومُدوَّنةٌ في كتب أئمتنا، وسَلفِنا، لا ينكرُ ذلك عنهم أحدٌ مِمَّن له أدنى بصيرةٍ ومعرفةٍ بمصَنفاتهم كالأزهار وغيره»، إلى أن قال: «فإذا استفتح الإمام شيئًا من البلاد التي تحت أيديهم، فله أن يضع عليها ما شاء، سواء كان أهلها مِمَّن هو باق على ذلك المذهب أم لا( ).
وقد استحوذ الإمام المهدي عباس على غيلين شهيرين في صنعاء وهُما الغيل الأسود وغيل البرمكي، بإصلاحها وإعادة استخراجِها، ثم ادَّعى أنَّ نفقة هذا الاستصلاح من حسابه الخاص، وليس من المال العام، ما تسبَّب في إثارة جدل واسع في حينها، حيث عارض ذلك بشدة المسؤول عن استخراج هذين الغيلين علي بن عبد الله العمري، ما دفع الإمام إلى أن زج به في السجن، وصادر منزله وأملاكه الخاصة، وقد بقي في سجنه حتى مات سنة 1183هـ( ).
وكانت عملية نهب الأراضي تحديدًا، أو شراء أراضي عامة الناس بعد إفقارهم وتجويعهم تُواجَه باستنكار واسع من قِبَل شريحة كبيرة من اليمنيين حتى مِمَّن يعملون مع الأئمة، بل كانوا في كثير من الأحيان مُتضرِّرين منها. تقول الباحثة الروسية إيلينا جولوبوفسكايا في كتابها ثورة 26 سبتمبر في اليمن: «وكان الإقطاعيون المتوسطون والصغار ممثلي الجهاز الإداري لدولة الإمامة في المناطق. ويؤدون وظيفة موظفي الدولة التي تكمن في جمع الضرائب من القرى والعِزب، ولم يمتلك الإقطاعيون المتوسطون والصغار الامتيازات الاقتصادية التي وجدت لدى كبار الإقطاعيين (فئة السادة)، وقد جعل الظلم المطلق من قبل الإمام وطغمة السادة هاتين الفئتين من طبقة الإقطاع تشعر بعدم الرضا. وحدث أن استولى الإمام أحمد على أراض مزروعة مملوكة لمُلَّاك (كانت قطع الأراضي المستولى عليها تعود لكبار المُلَّاك أو صغارهم) وأراض جماعية.. وقد روی مشائخ الحميقاني والنوافي في مقابلة مع مراسل جريدة الأهرام، أنَّ الإمام أحمد أخذ ثلثي مساحة الأراضي المزروعة لهذه القبيلة التي يبلغ عددها خمسة آلاف نسمة، ولم يدفع قيمتها، فهي من وجهة نظر الإمام ملكه»( ).
وفي موضع آخر، تشير المؤرخة الروسية إلى نهب العائلات الإمامية لأراضي اليمنيين بقولها: «ومن حيث العلاقات الاجتماعية كان الكثير من الأشخاص الذين يدخلون ضمن طغمة السادة حتى قيام الثورة من كبار الاقطاعيين مُلّاك الأراضي وكبار مُمثّلي البرجوازية التجارية والمرابين، وكان الكثير منهم في السنوات الأولى لقيام المملكة المتوكلية اليمنية لا يملكون الثروات التي امتلكوها خلال الأربعين سنة التي حكموا فيها البلاد. كان الإمام يحيى نفسه حتى بداية حُكمه لا يملك الكثير من الضِّياع، غير أنَّهُ أثناء حكم أسرة حميد الدين التي أصبح أعضاؤها من كبار مُلَّاك الأراضي، وتنطبق نفس الحالة على الكثيرين من الأشخاص الذين حصلوا على مناصب في الدولة، الجبلي، وهادي هيج، وآخرين كثيرين»( ).
استمر الوضع على هذا الحال لفترات طويلة، حتى أصبحت ذرية يحيى الرَسِّي من أكثر العائلات التي تملك أراضي وفي أهم المواقع في اليمن بعدما جاؤوا اليمن وهُم لا يملكون شيئًا. وعندما قامت ثورة 26 سبتمبر 1962 وأسقط الحكم الإمامي الذي كان يُمثّله في ذلك الحين مَن وصفوه بـ «الحاكم بأمر الله» أحمد بن يحيى حميد الدّين، أعاد النظام الجمهوري مساحات كبيرة من أراضي وممتلكات اليمنيين المنهوبة لصالح الدولة وعامة الشعب، حتى عاد الإماميون بحلتهم الحوثية الجديدة لتعود معهم جرائم نهب الأراضي بشكل مُمنهَج وواسع.
بعد سيطرة الحوثيين على المدن اليمنية وتمكن العائلات الرَسِّية إحكام هيمتنها على المؤسسات الأمنية والعسكرية والمدنية في العاصمة صنعاء، عادت كثير من هذه العائلات (فئة السادة بحسب جولوبوفسكايا) للسطو على الأراضي التي كان قد استعادها الجمهوريون لصالح الدولة وعامة اليمنيين بعد ثورة 26 سبتمبر. مُدَّعية بأنَّ هذه الأراضي الشاسعة مِلكًا خاصًّا بأجدادها، فضلًا عن ادِّعاء كثير من هذه الأسر ملكيتها لأراضي خاصة في يد أسَر أخرى، لا سِيَّما بعدما بسطت جماعة الحوثي على مساحات شاسعة منها، وبدأت بالتصرُّف بها ليفتحوا الباب أمام تزايد النزاعات بين السكان بسبب الأراضي( ).
كما أنَّ بقاء عدد من المسؤولين والموظفين السابقين (المعينين خلال فترة الرئيسين هادي وصالح) في مناصبهم خلال السنتين التي تلت سيطرة جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة قبل تغييرهم، أسهم بشكل أو بآخر في ظهور معارضة لعمليات النهب الواسعة التي مارستها الجماعة. فقد نشرت صحيفة الثورة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في 12 فبراير/ شباط 2016م تحقيقًا صحفيًّا مدعمًا بالوثائق الرسمية يسلط الضوء على عمليات نهب وجرائم تفريط وتغاض في الأراضي المملوكة للدولة في محافظة الحديدة. ولأهمية التقرير سأورد أبرز النقاط التي تطرَّق إليها:
- منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يُسجِّل كُلٌّ من الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العُليا لمكافحة الفساد، ونيابة الأموال العامة والهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط، جرائم فساد وتفريط وتغاضٍ في أراضي وأملاك الدولة، كما حدث في العام 2015م، لا سِيَّما الشهرين الأخيرين من العام ذاته، والذي تم خلالهما توقيع وتسجيل عقود التعويضات وتسجيل عقود بالسِّجِل العقاري بأسماء شخصيات وهي في الأصل ملك للدولة.
- أبرز التجاوزات تكمن في تعويضات مخالفة للقوانين النافذة (الاستملاك، الأراضي، التخطيط) ومخالفة للإجراءات المُتَّبَعة في فحص الملكيات وإقرار الاستحقاق والتثمين والتعويض، وتقدير مبالغ تعويضات خيالية والتعويض عنها عينًا من قِبَل فرع هيئة الأرضي والمساحة والتخطيط العمراني دون وجه حق أو اختصاص بالتعويض.
- أصدر مكتب أراضي الحديدة في 20 أكتوبر/ تشرين الأوَّل 2015م عقد تعويض بمبلغ (مليار و470 مليون ريـال يمني) كتعويض لأحد الأشخاص عن أرض مساحتها (65340) م2. وسبقها إصدار عقد تعويض من قبل المكتب ذاته في 6 سبتمبر/ ايلول 2015م بمبلغ (652912000) ريـال يمني، كما أصدر أربعة عقود كتعويض عيني جزئية لاحقة كتعويض عن جزء من أرض مساحتها (8484) م2. وأصدر المكتب في 8 يونيو/ حزيران 2015م عقد تعويض عيني بمساحة (87120) م2 في مواقع متفرقة بمدينة الحديدة تقدر قيمتها بأكثر من (700) مليون ريـال يمني.
- تم تسجيل أراض مملوكة للدولة بمساحة تزيد عن2 مليون م2 وتتجاوز قيمتها ملياري ريـال بأسماء أشخاص ومؤسسات تجارية.. وكانوا يعملون في تلك المرحلة على تمرير معاملتي تسجيل أرض للملك العام كملكية خاصة يبلغ مساحتهما (875556) م2 يتجاوز ثمنها المليار ريال.
- يتم تمرير إجراءات تسجيل مساحات شاسعة من أراضي الدولة في منطقة الدريهمي ومنطقة العنترية وحرم مطار الحديدة بعدد ثلاث حالات باسم المعتدين عليها وتقدر قيمتها بالمليارات.
- التفريط بأرض «المنطقة الصناعية» المحجوزة منذ 2002 عبر تسجيل مساحة (653400)م2 تتجاوز قيمتها 450 مليونًا لصالح مؤسسة تجارية خاصة، رغم اعتراض وزارة الصناعة على الاعتداء خلال 2014م.
- حذَّر الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني وفروعها بعموم محافظات الجمهورية من التسيب والتساهل في أراضي وأملاك الدولة، وعدم التقيد والتصرف وفقا للوائح والقوانين، وشدَّد على وقف إجراءات التصرُّف في عقارات الدولة وتسجيلها باسم الغير في السجل العقاري.
- وجَّه الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة مذكرة رسمية تحمل رقم 1307 وبتاريخ 13ديسمبر/ كانون الأوَّل 2015م للهيئة ومكاتبها بالمحافظات حملها المسؤولية القانونية في أيَة أضرار لحقت أو ستلحق بمصالح الدولة وممتلكاتها، وجاء في نصِّها بأنَّ «إصدار عدد من عقود التعويضات العينية بمساحات كبيرة بالمخالفة لأحكام القانون رقم 21 لسنة 1995م بشأن أراضي وعقارات الدولة ولائحته التنفيذية والقانون رقم 1 لسنة 1995م بشأن الاستملاك للمنفعة العامة».
- أصدرت الهيئة الوطنية العُليا لمكافحة الفساد قرارًا في تاريخ 10 مايو/ آيار 2015م، قضى باستعادة أراضي الدولة المستولى عليها في ميناء «رأس عيسى» من قِبَل متنفذين وبتساهل من قيادة مكتب أراضي الحديدة ولصالح شخصيات ورجال أعمال.. إلَّا أنَّ ذلك القرار لم يلق أيَّة استجابة من قِبَل الهيئة العامة للأراضي والمساحة، حسب تأكيدات مسئولين في هيئة مكافحة الفساد.
- أكد رئيس الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني الدكتور عبد الله الفضلي، وجود قضايا مخالفة في حق أملاك الدولة بالحديدة وأشار بأنَّهُ سيتم إحالتها إلى النيابات المتخصّصة «لينال المعتدون والمتساهلون معهم العقاب القانوني.. لافتا إلى أنَّهُ لن يسمح – كرجل أول بالهيئة – بأيَّة إضرار بأراضي وعقارات الدولة»( ).
وعلى ما يبدو، أنَّ رئيس الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني الدكتور عبد الله الفضلي المعين من قبل الرئيس عبدربه منصور هادي هو مَن قام بتسريب هذه الوثائق بعدما عجز عن إيقاف عمليات نهب الأراضي التي حدثت منذ سيطرة الحوثيين. إذ أنَّ التوجيهات الصادرة عن الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وهيئة مكافحة الفساد تصل في الأصل إلى رئيس الهيئة ليقوم بمعالجة هذه الاختلالات. ولأنَّهُ فشل في ردع هذه الممارسات اضطر للاستعانة بوسائل الإعلام لتتحول إلى قضية رأي عام ويُشكِّل ضغطًا مجتمعيًّا على مَن يشرفون على عمليات نهب الأراضي. لكن حدث عقب نشر هذا التحقيق ما كان مُتوقَّعًا، وأكد أنَّ قيادات الحوثي هي مَن تقوم بعمليات النهب المُمنهَج لأراضي الدولة.
بعد حوالي ثلاثة أشهر من نشر هذا التحقيق، وفي 15 مايو/ آيار 2016م تحديدًا، اقتحمت عناصر تابعة لجماعة الحوثي بقيادة معين المتوكل وأحمد مفتاح مقر الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني في صنعاء، وأجبرت رئيس الهيئة عبد الله الفضلي على ترك وتسليم منصبه بقوة السلاح وتسليم المقر للوكيل التابع للحوثيين أحمد مفتاح لتبدأ عملية نهب أراضي الدولة بشكل مُمنهَج( )( ).
منتصف العام 2016م، بدأت جماعة الحوثي إجراءات بيع مساحات واسعة من الأراضي المملوكة للدولة في المناطق الخاضعة لسيطرتها عبر إعلان مزاد علني، وكانت ذريعة النهب جاهزة كما كُلّ مَرَّة، حيث ادَّعوا بأنَّ بيع الأراضي بهدف إنشاء مدن سكنية وأراض استثمارية، وتوريد 70 بالمائة من عائدات البيع للخزينة العامة، و30 بالمائة لصالح تمويل أنشطة الهيئة العامة لأراضي الدولة الخاضعة لسيطرتهم( ).
وقد عَلَّق الباحث والكاتب اليمني ياسين التميمي بأنَّ هذه الإجراءات ليس لها «أيَّة علاقة بحل أزمة الإسكان، ولا يوجد مناخ لتسويق مشاريع استثمارية في ظل بيئة خطرة، والدافع الأساس هو الحصول على المال بأيَّة طريقة كانت (...) بيع الحوثيين لأملاك الدولة يأتي في سياق المتاجرة بكُلِّ ما وقع تحت أيديهم من ثروات، ضِمْن سوق سوداء كبيرة أنشأوها منذ سيطروا على صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014م، وهي سوق لا تخدم المواطنين، بل ترهقهم وتقضي على مدخراتهم، وتُعزِّز من القدرات المالية للمليشيات وتمويل حربها على اليمنيين»( )، كما حذَّر رئيس الوزراء اليمني أحمد بن دغر، في تصريحات صحافية، جماعة الحوثي من العبث بأراضي الدولة في المناطق التي يسيطرون عليها، مؤكدًا أنَّ جميع الإجراءات التي تُتخذ من قِبَلهم ليس لها أثر قانوني، ويتحملون تبعاتها( ).
والمثير للسخرية، أنَّ عملية البيع العلني للأراضي تتم في زمن الحرب، وفي الوقت الذي لا يجد ملايين اليمنيين ما يأكلونه، لكن الهدف من هذه العملية ليس فقط جمع الأموال لقيادات جماعة الحوثي، بل تمليك أراضي الدولة للشخصيات التابعة عرقيًّا لجماعة الحوثي، فإعلان الحوثيين لبيع أراضي الدولة لم يجد إقبالًا من التجار والمستثمرين، وانحصر الشراء في النافذين والتجار الموالين للجماعة كما أشار مراقبون يمنيون( ).
وفي يونيو/ حزيران 2016م، كشفت وسائل إعلامية مختلفة عن وثيقة سرية تشير إلى نهب الحوثيين مساحات شاسعة من أراضي الدولة، وتمليكها لعناصرها. تحمل الوثيقة رقم (26) لسنة 2016م عطفًا على مذكرة رقم (16/ 14/ 74) بتاريخ 13/ 4/ 2016م، ومُقدَّمة باسم القائم بأعمال أمين مجلس الوزراء المعين من قِبَل الحوثيين. وتضمنت القرارات الواردة فيها، الموافقة على توزيع مساحات كبيرة من الأراضي الواقعة في العاصمة ومحيطها (محافظة صنعاء) وعمران وريمة، لأعضاء الجماعة ومقاتليها( ).
الأراضي المنهوبة بحسب الوثيقة مُوزَّعة على أربع محافظات كالتالي:
- أراضي في أمانة العاصمة موزعة على عشرة مواقع، وتُقدَّر مساحتها الإجمالية بـ(637,143) لبنة عشارية والتي تساوي (44.44 مترًا مربعًا)، ما يعني أنَّ إجمالي ما تم تمليكه من أمانة العاصمة بحسب الوثيقة فقط تصل مساحتها إلى (28,314,635) مترًا مربعًا.
- موقعين في محافظة صنعاء، مساحتهما الإجمالية تُقدَّر بـ (25,000) لبنة عشارية، وتساوي (1,111,000) مترًا مربعًا.
- موقع في محافظة عمران، مساحته (15,148) لبنة عشارية، وتساوي (673,177) مترًا مربعًا.
- موقع في محافظة وريمة، مساحته (17,600) لبنة عشارية، وتساوي (782,144) مترًا مربعًا( ).
ومن ضِمْن القرارات التي كشفت عنها الوثيقة، توجيه القائمين الحوثيين على كلّ من محافظة صعدة وحجة وعمران والمحويت وتعز وريمة وإب والبيضاء والحديدة وذمار بالإشراف على أعمال تحديد المساحات والمواقع من أملاك الدولة لتسليمها إلى مكاتب ومُمثّلي مؤسسة الشهيد الحوثية في هذه المحافظات.
الصحفي والباحث في الشؤون الإيرانية عدنان هاشم أوضح بأنَّ عملية نهب الأراضي بذريعة توزيعها لأسر المقاتلين تأتي في سياق حرص جماعة الحوثي على نهب أملاك الدولة التي تدَّعي بأنَّها ملك خاص بها. وأوضح بأنَّ هذه الإجراءات ليست وليدة اللحظة، «فعندما اجتاح الحوثيون محافظة عمران في العام 2014م، قالوا إنَّ دار الحجر الأثري( ) هو ملك لعائلتهم (حميد الدين) آخر عائلة إمامية حكمت البلاد»( ).
ما ذُكِر أعلاه نموذج مُصغَّر لعمليات النهب التي تُنفّذها الجماعة بشكل مُمنهَج مُستخدِمة مؤسسات الدولة كغطاء، إلى جانب عمليات النهب الفردية بالبسط عليها أو الابتزاز وإجبار الأهالي على بيعها تحت الضغط والترهيب والإفقار.
وإذا ما تحدَّثنا عن حجم النهب الذي تعرَّضت له أراضي الدولة التابعة لمحافظة الحديدة وحدها وخلال الأعوام 2014م حتى 2017م فقط، سنجد بأنَّ الحوثيين استولوا على 70 بالمائة من الأراضي التي تملكها الدولة «واستحدثوا فيها منشآت بنائية جديدة لقيادات في جماعة الحوثي» وذلك بحسب شهادة مُقدَّمة من أحد القضاة في مديرية باجل التابعة للحديدة عبر موقع «يمن مونيتور» الإخباري المستقل.
استند الموقع الإخباري في تقريره عن نهب الأراضي على شهادة أحد القضاة بالإضافة إلى وثيقة مُقدَّمة إلى رئيس محكمة الاستئناف في الحديدة، تُشير بشكل واضح إلى ضلوع «أنصار الله (الحوثيين)» في نهب أراضي تابعة لمؤسسات حكومية بمساعدة محكمة باجل، وعدم قدرة الجهات المعنية إيقاف عمليات السطو على أراضي الدولة( ).
خلال السنوات التي تلت سيطرة الحوثيين على صنعاء، ورغم تكميم الأفواه ومحاصرة وسائل الإعلام والتضييق عليها، امتلأت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية بالأخبار والمنشورات ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية المسربة التي تحكي أعدادًا هائلة من عمليات نهب أراضي الدولة والمواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرة العائلات الحوثية واستعانة الناهبين بمؤسسات الدولة الخاضعة لهيمنتهم والقضاة الذين ينتمون للسلالة ليقوموا بعملية كتابة وثائق ملكية مُزوَّرة( ). وما خفي ولم يتم النشر عنه كان أعظم وأوسع وأخطر.
كان من الصعب إخفاء جرائم نهب الأراضي الخاصة والعامة والتي منها تابعة لمدارس وحدائق عامة وملاعب رياضية ومعسكرات وأسواق وأراضٍ تابعة لمؤسسات حكومية أخرى في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرتها( )، الأمر الذي دفع لجنة الخدمات في البرلمان الموجود في صنعاء وخاضع لسيطرة الحوثيين إلى إصدار تقرير أشار فيه إلى تجاهل الحوثيين توصيات ومذكرات البرلمان التي تطالب بوقف عمليات نهب الأراضي، واستحداث مبان سكنية على الأراضي المُخصَّصة للمرافق الخدمية العامة، ومعاقبة المتورطين في ذلك( ).. لكن دون جدوى.
ومع تزايد عمليات النهب وأعداد الناهبين، بدأت الخلافات التي عادة ما تظهر بين عناصر العصابة الواحدة بعد تنفيذ عملية السرقة. فقد نشبت الخلافات بين العائلات والأجنحة المؤيدة للحوثيين، كان من ضمنها الخلافات التي ظهرت على خلفية نهب الأراضي المملوكة لحزب المؤتمر الشعبي العام والتي تسبَّبت في حدوث اشتباكات مسلحة بين المجاميع الحوثية( )، والخلافات التي نشبت بين القيادي الحوثي أحمد الوشاح قائد ما يعرف بلواء غمدان، و القيادي الحوثي محمد الغماري الذي استلم ملف حصر أكبر مساحة ممكنة من أراضي الدولة بذريعة استخدامها في مشاريع استثمارية( ).
وشكَّلت الجماعة فريقًا تحت مُسَمَّى «لجنة استثمار أراضي القوات المسلحة» تحت إشراف القيادي الحوثي محمد الغماري والقيادي أبو حيدر جحاف، لتقوم بمهمة حصر وتسوير وحجز مساحات واسعة من الأراضي المملوكة لمؤسسات حكومية وجمعيات سكنية ونقابية ومواطنين وأعضاء مجلس نواب وسياسيين نزحوا من المحافظات جراء الحرب أو تم تهجيرهم( ).
دشَّنت اللجنة الحوثية المشكلة عمليات الاستيلاء على أراضٍ واسعة في «نقم وسعوان وصرف وشملان وعطان وحدة والعشاش وعصر والخمسين وبيت بوس وبيت سبطان وحزيز وعمد والألجام وريمة حميد وهمدان». كما استولت على أراضٍ زراعية تابعة لوزارة الزراعة والري بمنطقة بني حشيش تُقدَّر مساحتها بنحو 1500 لبنة وكانت مؤجرة لمزارعين لصالح الوزارة قبل أن يتم الاستيلاء عليها وبيعها لتجار الأراضي. كما فرضت الحجز على أراضٍ واسعة، ومنعت مُلَّاكها والمستفيدين منها من البناء أو فرضت مبالغ عليهم بمزاعم ملكية القوات المسلحة لها بالرغم أنَّ لدى مالكيها عقود تمليك على رأسها المنطقة الخاصة بجمعية ضباط الجوية( )، التي شهدت مواجهات مسلحة بين الحوثيين وعائلات رفضت تسليم أراضيها، كان أبرزها معارك حدثت بين الحوثيين وأسرة فضل الصايدي في 31 أغسطس/ آب 2021م.
سبق وحاول المُتضرِّرون من هذه العمليات الاحتجاج بطرق مختلفة، مثل تنفيذ الأهالي وقفة احتجاجية في خط الخمسين الغربي فوق منطقة السنينة بتاريخ 12 أغسطس/ آب 2020م( ). وفي 12 سبتمبر/ أيلول 2020، نفَّذ أهالي مدينة الرئاسة السكنية في منطقة سعوان شمال صنعاء وقفة احتجاجية لرفض اعتداءات اللجنة على أراضيهم( ). أمَّا في 15 أغسطس/ آب 2021م، نفَّذ سكان حي الفوارس التابع لمديرية شعوب في صنعاء وقفة احتجاجية أمام مكتب رئاسة الجمهورية الخاضع للحوثيين رفضًا لما تقوم بهم اللجنة مُمثّلة بالقيادي الحوثي أبي حيدر عبد الله جحاف والذي يمنع المواطنين من التصرُّف في منازلهم وأراضيهم ومنع البناء والتشطيب وتنفيذ حملات مداهمة للأراضي والمنازل وإتلاف البناء ونهب معدات البناء وسجن المالكين منذ خمس سنوات( ).
لم يتوقف الأمر عند عمليات النهب العشوائية والمنظمة للأراضي، لكن الجماعة نفذت حملات ميدانية تستهدف الأمناء الشرعيين المعنيين بتحرير عقود بيع وشراء الأراضي والعقارات بغية استبدالهم بعناصر تابعة لها أو كما يقول اليمنيون: «حوثنة الأمناء الشرعيين» بما يضمن لها السيطرة على عمليات بيع وشراء الأراضي والتحكم بعقود التمليك ويُسهِّل لها التزوير وتسجيل أراضي الدولة بأسماء عناصرها فضلًا عن التلاعب بأراضي المواطنين.
وكالعادة، ساقت الجماعة العديد من التهم التي استخدمتها كمُبرِّرات لاختطاف وإخفاء المئات من الأمناء الشرعيين بعد اتهامهم بالفساد والإخلاء بوظائفهم وخيانة مهنتهم وخدمة «العدوان الخارجي»..!
بدأت هذه العملية بإشراف مباشر من محمد علي الحوثي في أكتوبر/تشرين الأول 2020م واستمرت لأشهر طويلة أخفوا فيها العديد من الأمناء وعيَّنوا بدلًا عنهم من الموالين لهُم سُلاليًّا، وأطلقوا سراح بعضهم بعد إرغامهم على دفع أموال لا تقل عن ثلاثة ملايين ريال يمني مقابل الشخص الواحد( ) والالتزام بالتعاون مع المشرفين الحوثيين في كُلِّ منطقة والرجوع إليهم قبل أيَّة عملية بيع أو شراء أو توثيق، فضلًا عن مصادرة وثائق وسجلات القيد والبيع والشراء والتمليك( ).
يمكن القول، بأنَّ الحوثيين بهذه الخطوة أحكموا السيطرة على عمليات البيع والشراء للأراضي والعقارات الخاصة، ووضعوا قيودًا مُحكمة على نشاط مكاتب العقارات، فلا يمكن البيع والشراء إلَّا بعد إبلاغ المشرفين الحوثيين، ناهيك عن فرض نسبة من عمليات البيع والشراء وتسهيل عملية السطو على الأراضي.
في مايو/أيار 2022، نفذت عناصر الحوثي حملة عسكرية للبسط على أراضٍ تابعة لمدينة الحمدي المجاورة للسفارة الأمريكية في صنعاء وقد اشتبكوا مع سكان المدينة لأن الأراضي هي عبارة عن جزر خضراء عامة وتابعة للمدينة. عملية النهب قوبلت باستنكار واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، ما دفع بعض المؤيدين للحوثي لاستنكار عملية البسط على الأراضي منهم الإعلامية منى صفوان والتي كتبت في صفحتها المنشور التالي:
«ما فيش (لا يوجد) دولة تسرق نفسها.. ما فيش دولة تبني في الليل زي السرق (مثل اللصوص)، حامي الأرض لا يسرقها. وما فيش دولة تحترم شعبها تطلق نار وتعتقل سكان وشباب المنطقة فقط لأنهم رفضوا..!
هذا ما يحدث الآن في هذه الساعة من الليل في مدينة الحمدي في صنعاء، من سلطات الحوثيين، ممن يقولون إنهم يحررون اليمن وهم أول من يسطون وينهبون المال العام.
مدينة الحمدي رحمه الله، وضعت بمخطط معروف من بنك الإنشاء والتعمير، لم تجرؤ أي حكومة أو سلطة على تغييره أو السطو على مواقف السيارات ومساحاته الخضراء، إلا سلطة الحوثيين». إلى أن قالت «قبل أن تُحرِر اليمن من العدوان حررها من أطماعك، ما أحد يبني في الليل إلا السرق (لا أحد يبني في الليل إلا اللصوص) كما يحدث في هذه الساعات في المدينة التي أسسها الحمدي وحملت اسمه وافتتحت بعهد علي عبد الله صالح كنموذج للمدن السكينة لموظفي الدولة.
كان المفترض أن تبني عشرات المدن المماثلة، لا أن تحولها إلى مناطق عشوائية وتسطو عليها. حالة الغضب والحنق كبيرة، برغم اعتراض البنك المالك لهذه الأرض.. إنه كمن يحفر قبره، حتى من كانوا مع سلطة الحوثيين أصبحوا ضده
الأمر نفذ بالقوة وهناك حالات اعتقال للشباب وإطلاق نار.
هذا نموذج من حالات سطو كثيرة على المال العام في المدارس.. كالمدرسة الأهلية في شارع الزراعة، والتي تأسست قبل أربعة عقود في الثمانينيات، كأول مدرسة خاصة أو تعاونية بين مال خاص ومال حكومي، وتواصل معي من مؤسسيها ومالكيها ممن ينتمون سياسيًا لسلطة الحوثي، يشكون أنه يتم السطو على المدرسة منذ ثلاث سنوات بأمر غير قانوني أصدره الوزير يحيى الحوثي.
إلى جانب البيوت الوقف والمتنزهات من المدرسة الأهلية، لبيوت الوقف، وحتى الأراضي.. ومدرسة آزال الحديثة التي كانت تتبع جامعة صنعاء والآن أصبحت قطاع خاص، وأيضًا نادي كلية الشرطه ونادي ضباط الجيش، وفي القريب مستشفي الثوره..!!
فكيف تدعي تحرير اليمن وأنت أول من ينهبها!؟
يقول ابن خلدون بداية انهيار الدول يبدأ بالجباية، وهذا السطو دليل انهيار.. إنهم كمن يعمل ليغادر لا ليبقى»( ).
ورغم الاستنكار الواسع لعمليات السطو المنظمة على الأراضي، استمرت الجماعة في ممارسة الجريمة بوتيرة عالية.
في أغسطس/آب 2022، استخدمت الجماعة القوة المفرطة ضد سكان قرية العرة الواقعة في مديرية همدان شمال العاصمة صنعاء، بعدما نفذ أهالي القرية اعتصامًا سلميًا لرفض نهب أراضيهم بهدف توزيعها على أنصار الحوثيين.
تناول المركز الأمريكي للعدالة (منظمة مجتمع مدني) هذه الجريمة مؤكدًا أن جماعة الحوثي استمرت لأكثر من أسبوعين في ارتكاب عدد من الانتهاكات ضد سكان القرية الذين يرفضون السطو على أراضيهم، وقد شملت الاعتداء على المعتصمين وإطلاق النار عليهم ما تسبب بإصابة ستة منهم، إضافة إلى قيام الحوثيين بحملات اعتقالات تعسفيه للعشرات من منازلهم وأعمالهم، فضلا عن حصار وإغلاق الطرقات ومطاردة الأهالي وإجبارهم على المكوث في منازلهم.
وأضاف المركز في بيان له أن جماعة الحوثي صادرت قطعة أرض تزيد مساحتها على 66 ألف متر مربع تقع في منطقة «المخلابة»، قبل أن يحصل الأهالي على حكم قضائي يؤكد أحقيتهم بهذه الأرض، وبطلان سيطرة الحوثيين عليها إلا أن الجماعة استمرت في إجراءات المصادرة( ).
وخلال أقل من نصف شهر، اختطف الحوثيون عددًا كبيرًا من سكان القرية، منهم الشيخ عبدالحميد كثير، والشيخ محمود دغيش، والشيخ يحيى ياسين، والشيخ أحمد مصلح، والعاقل بكيل كثير، والشيخ علي سعد الخقر، والشيخ صدام عايض الخقر، والشيخ محسن علي قايد، والعاقل عبدالله محمد ثابت الخقر، ومحمد ناجي مقبل كثير، وعبد الكريم علي محمد كثير، وهمدان عبدالله علي كثير، وعبدالعزيز مهدي ثابت كثير، وحامد محمد أحمد كثير، أحمد منصور البدوي، والعاقل حمود محمد أحسن عبدالله، وقحطان عايض أحسن مظفر، وراشد على راشد مظفر، ومحمد شايف نايف سريع، والشيخ فارس صالح أحمد عوضه، وعصام محسن هزاع، ومحمد محمد عبده، ومحمود محسن ياسين، والشيخ أحمد مصلح جعره، وعلي احمد مصلح جعره، وصالح ثابت صالح جعره، وسام صالح ثابت جعره، ورجل كفيف اسمه علي حسين حيدر، وجبران أحمد مصلح جعرة، ومحسن محمد علي قايد الأدور، بشير أحمد ثابت الكثيري( ).
بعد هذه العملية بأيام قليلة، اقتحم الحوثيون مناطق في مديرية بني مطر التابعة لمحافظة صنعاء (غرب العاصمة)، وبدأوا ببناء سور على أرض زراعية بهدف نهبها ما تسبب بحدوث مواجهات بين العناصر الحوثية والأهالي، وهو ما دفع البرلماني محمد علي أحمد سوار إلى استنكار الجريمة في إحدى جلسات البرلمان الخاضع لسيطرة الحوثيين، حيث قال: «ما يحدث الآن من نهب للأراضي في مديرية بني مطر من قبل المدعو أبو حيدر جحاف (قيادي حوثي)، وخروج معدات ومواد وأكثر من 100 عامل لتسوير الأراضي. الأراضي التي يتم تسويرها الآن 20 ألف على 20 ألف، أراضي زراعية، يمتلكها أهالي قرية بيت المعقلي، وقوبة، وبيت عبيد، وقرية شعبان البروية، وبيت ردم. هؤلاء المواطنين يزرعون هذه الأراضي، أبا عن جد، من قبل مئات السنوات. الأراضي زراعية، وهي مزروعة الآن، وقاموا بالحجز عليها من دون وجه حق. أطالب المجلس بإلحاح إنصاف المواطنين في مديرية بني مطر، من التعسف والاعتداء على أراضيهم»( ).
وفي نفس المرحلة، نفذ الحوثيون واحدة من أوسع عمليات السطو على الأراضي في محافظة الحديدة غرب اليمن. حيث اقتحمت حوالي 30 عربة محملة بالمسلحين الحوثيين و8 جرافات قرى منطقة القصرة الساحلية بمديرية بيت الفقيه، جنوبي محافظة الحديدة، وقامت العناصر الحوثية بجرف أراض تابعة للمواطنين أغلبها زراعية وسط إطلاق نار كثيف لتفريق الأهالي المحتجين ما أدى إلى وقوع ضحايا واختطاف عشرات السكان.
صادر الحوثيون أرض تبلغ مساحتها أكثر من 10 كيلو متر من المزارع ومساقي الري وأراضي الرعي التي يستفيد منها أكثر من 5000 مواطن منذ مئات السنيين في تلك المنطقة( ).
وقد اعتبر شيخ قبيلة الزرانيق -التي تسكن في تلك المنطقة- يحيى منصر، هذه الممارسات من ضمن الخطوات العنصرية التي يمارسها الحوثيون تجاه أبناء قبيلته، وأن مصادرة أراضي المواطنين الموجودة على الشريط الساحلي بهدف تحويلها إلى مواقع استثمارية لصالح الجماعة عقب انتهاء الحرب( ).
كذلك علق عضو مجلس الشورى الدكتور عصام شريم على هذه الجرائم بإشارة واضحة إلى البعد العنصري في عملية السطو على الأراضي بقوله: «ما يحدث في القصره مديرية بيت الفقية لأبناء تهامة من الزرانيق من ظلم وتجاوز ونهب وتعدي على ممتلكاتهم تحت مسميات أراضي الإمام هؤلاء أحفاده (والحوثيين أحفاده) حينا، ووقف الله وهم أبناء نبيه». ثم يتساءل شريم كونه ينتمي إلى منطقة تهامة: «طيب وأبناء تهامة؟ أرضهم وأرض أجدادهم وقبائلهم ومسقط رؤوسهم وزراعتهم وحياتهم يرجعوا مستأجرين من صاحب صعدة (الحوثي)؟».
وفي تدوينة أخرى يقول: «الجماعة تمّوا همدان (جماعة الحوثي أكملت نهب أراضي قبيلة همدان في صنعاء) ونقلوا لمقصره ودواليك. يبدو أنها معركة تصفية حسابات مع كل ماهو غير هاشمي أو كل ما يمكن أن يمت بصلة إلى عهد الإمامة»( ).
وبرغم الاحتجاجات الرافضة لما تقوم به جماعة الحوثي من عمليات نهب في الحديدة، واستنكار الأمم المتحدة لهذه الممارسات حينها( )، إلا أن الجماعة ظلت توسع دائرة نهبها كل يوم، وتزداد وتيرتها، ففي نهاية سبتمبر/أيلول 2022، نفذ الحوثيون حملات بسط على أراضي واسعة في قرى القباصية، والمواهيب، والمشاهير، الواقعة غرب مدينة بيت الفقيه، التابعة للحديدة؛ ورافق ذلك جريمة اختطاف عشرات الأفراد من أهالي هذه القرى. وامتدت عمليات السطو في صنعاء إلى عزلة صرف التابعة لمديرية بني حشيش شمال صنعاء، حيث أقدمت الجماعة على نهب عشرات الآلاف من «اللبن»( ) بحسب البرلماني يحيى القاضي الذي استنكر عملية سطو الحوثيين على أراضي المواطنين في عزلة صرف.

*من كتاب الجريمة المُركّبة.. أصول التجويع العنصري في اليمن.