مسلسل ملوك اليمن..!(1-2)
أتحفتنا قناة "يمن شباب" بمحاولة عظيمة للعمل الدرامي التاريخي الذي يستنهض التاريخ المشرق لليمن، والذي يهدف إلى استنهاض الشخصية اليمنية لقيادة التحرير اليوم، وإعادة بناء اليمن بوجه مشرق كما كان في الزمن الماضي.
تسليط الضوء بالعمل الدرامي على التاريخ لبعث الذات اليمنية هو ما تقوم به كثير من الدول ذات الرؤى البعيدة الجامعة للشعوب كنوع من الاعتزاز بالهوية واستنهاض الشعوب وتوحيدها خلف عقيدة وهوية واحدة، هو ما ننادي به منذ زمن؛ فقد رأينا العمل الدرامي التركي كيف استنهض تركيا وحسن وجهها أمام العالم، وجذب انتباه الشعوب الأخرى لمعرفة التاريخ التركي، وكذلك الإيراني والصيني والهندي وغيرها، حتى أصبح العمل الدرامي جبهة من أهم الجبهات الداخلية في بناء الدول لا يقل أهمية عن الجبهات العسكرية.
كل هذا العمل تطلب موازنات ضخمة لتنفيذه وإظهاره بالمظهر اللائق، وأظنها العقبة الكبيرة أمام تطوير "يمن شباب" لهذا العمل؛ فقد بذلت القناة جهد المقل، وليس فقراً في الكُتّاب ولا المؤلفين ولا المنتجين ولا المخرجين، ولا حتى الممثلين، وأجزم أنه لو حصلت على موازنة كافية لأنتجت أفضل مما تعرضه اليوم بكثير، وهو الأمر الذي نعاني منه جميعاً.
فقد طرقنا أنا والصديق الدكتور هاني الصلوي كل باب لإنتاج عمل ضخم من هذا المنطلق لإحياء الروح اليمنية طيلة عامين كاملين وما زلنا، ولم نحصل على أي دعم حتى الآن، على الرغم من أننا جهزنا كثيراً من المتطلبات وهيأنا الأرضية لذلك.
صادف أول حلقة من المسلسل شخصية سيف بن ذي يزن أن كنت أسجل حلقة في قناة العربية في برنامج "سجال" مع المذيع الرائع مشاري الذايدي حول نفس الشخصية وكل ما قيل عنها من جميع الجوانب، ونتحدث عن نفس الموضوع قبل أن أعود وأشاهد الحلقة في "مسلسل ملوك اليمن" لإبداء ملاحظاتي عليها من خلال الواقع لا من خلال المناكفات والخلافات الشخصية التي يذهب إليها الكثير من الناقمين والمعارضين لأي عمل من خارج السلة والتوجه، كما يفعل المفسبكون.
وكمتابع، وقارئ للتاريخ والأدب اليمني، سأورد هنا بعض الملاحظات الهامة على مسلسل "ملوك اليمن" بعيداً عن الناقدين/مين للعمل من قبل مخالفي التوجه للقناة والمنتجين والكُتاب، وهذه الملاحظات كالتالي:
أولاً: الذهاب وراء سردية المظلومية التي أنتجها السريان المسيحيون وكذلك البيزنطيون والأحباش، وسار على نهجهم الروائيون الإخباريون، وإعطاء المبرر الأخلاقي والديني للحبشة لغزو اليمن، هو أمر ليس صحيحاً البتة، بدليل أن السميفع أشوع والذي يعتبر والد سيف بن ذين يزن وسيف كانا نصرانيين في فتراتهما المتأخرة، وسيف والسميفع أشوع ألقاب لا أسماء، كما عند كثير من المؤرخين، وسيف هو معدي كرب، وهناك روايات عن أن النعمان والد سيف (السميفع أشوع) هو من ذهب أولاً إلى الإمبراطور الروماني يستنجده على ظلم الأحباش لليمن وهو على دينه فرفض الإمبراطور الروماني نجدته فتوجه إلى كسرى وماطله حتى مات على بابه وجاء سيف لإكمال مهمة أبيه في تقصي أثره من حيث الاستعانة فرفض أولاً من الروم ثم كسرى قبل أن يتم مراجعته ويقبل بإرسال السجناء معه...إلخ القصة.
فقد كانت المسألة برمتها حرب نفوذ واستيلاء اقتصادي وسياسي لضم اليمن، في طريق ضم الجزيرة العربية كلها، إلى الإمبراطورية الرومانية عن طريق الحبشة، والسيطرة على أهم طرق التجارة العالمية حينها طريق الحرير وخنق فارس في البحر الأحمر واليمن التي هي محطة بين الهند وآسيا.
كانت بيزنطة وفارس قد وقعتا صلحاً دائماً على عدم الاقتتال وتفرغ الجانبين لمواجهة الصراعات الداخلية وبناء الدولتين، ولم يكن في صالحهما الدخول في صراع في تلك الآونة، وقام كل منهما فيما بعد بما يشبه تحريك الأذرع لهما في المنطقة وقيام حرب بالوكالة دون الصدام المباشر، وهنا بعض إشارة من كاتب النص في القصة إلى ذلك، وليس كلياً، وهي إشارة صائبة بطبيعة الحال، لكن الدافع الديني لدى بيزنطة والحبشة غلب بقية الجوانب وهو أمر غير صحيح؛ فقد كان الجانب الديني ذريعة ظاهرية فقط للتدخل، وهذا ما أشار إليه مؤرخ الإمبراطور البيزنطي "بروكوبيوس" في كتابه "تاريخ الحروب والقصة السرية لمحكمة جستنيان"، وهو مؤرخ فلسطيني قديم من أصل روماني معاصر لتلك الأحداث وللإمبراطور جيستنيان الذي كلف الحبشة بحملة احتلال اليمن وزودها بالسفن المختلفة، وعاش خلال الفترة (500- 560 ميلادية) كان محامي ومستشار قانوني للإمبراطور جستنيان؛ أي أنه كان معاصراً وشاهداً لكل تلك الأحداث.
ثانياً: أما حادثة الأخدود التي تم استفتاح حلقة سيف بن ذي يزن بها نسلم بها لإيماننا المطلق بالحقيقة القرآنية كونها من عند الله، لكن لا يمكن إسقاطها على نجران وذي نواس الذي يؤمن بالرحمن إله السموات والأرض ثم يحرق حتى الأطفال، باستثناء حادثة حرق كنائس ظفار المذكورة الوحيدة في النقوش!
فكل النقوش التي أوثرت عن ذي نواس التي لم يترك شاردة ولا واردة من حروبه وتحركاته إلا ودونها بالنقوش لم تتطرق البتة إلى الأخدود والإحراق، وبالتالي لا يمكننا القول أنه فعل ذلك هروباً من التجريم، فقد كان يدون كل معاركه بما في ذلك ذكر إحراق كنائس ظفار.
هناك تواصل مستمر بيني وبين أستاذ الآثار والنقوش اليمنية في جامعة صنعاء وقسم الآثار بجامعة حائل، الدكتور محمد الحاج، الذي نقب وشرح كل نقوش نجران تقريباً، ومعه كتاب عن تلك النقوش، وسألته إن كان هناك أية إشارة ولو بكلمة للأخدود المزعوم هناك، أو المحرقة في كل ما مر عليه من النقوش، فأفاد أنه لا توجد أية إشارة أو كلمة لذلك، وهذا يجعلنا نعيد النظر في أن الأخدود كان في نجران على يد يوسف أسأر أثأرن (ذي نواس عند الإخباريين)، وقد يكون من قام بهذا الفعل الإجرامي ملك آخر في موضع آخر من الجزيرة العربية أو الشام!
ثالثاً: يتورط أي كاتب وسارد للتاريخ، وخاصة القديم، إن اعتمد كلياً على روايات الإخباريين وكتبهم، حتى وإن كانت من كل المؤرخين؛ فالمتأخر منهم يأخذ برواية المتقدم دون تمحيص ولا دليل مادي على ذلك، ومع وجود النقوش التي تعتبر سيدة الأدلة لا بد أن يلم بها الكاتب ويجعلها في المقدمة.
رابعاً: لا بد من تذكير القارئ الكريم أن تدخل الأحباش لم يكن بسبب المحرقة البتة، ولا دافعاً دينياً؛ فقد بدأ تدخلهم في اليمن قبل حادثة المحرقة بأكثر من خمسمائة عام؛ منذ القرن ألأول الميلادي، أو الثاني على بعض الروايات لعمر النقوش، من أيام الملك الحميري الأول علهان نهفان لذي عقد اتفاقية دفاع مشترك مع الحبشة بعد أن نصب نفسه ملكاً على سبأ في مارب، وخاف من تحالف سبأي ضده فلجأ إلى ملك الحبشة بعقد تلك الاتفاقية.
نستطيع أن نقول إنه الممهد الأول للغزو الحبشي وغرسه كمحتل في اليمن، بالضبط كما فعل سيف بن ذيي يزن مع الفرس الذين احتلوا اليمن إلى اليوم!
.... يتبع
