المشهد اليمني

قراءة بنيوية في التدخل الإماراتي جنوب اليمن ودور السعودية في ضبط المسار السيادي

السبت 14 فبراير 2026 06:39 مـ 26 شعبان 1447 هـ

الرد على من يقول إن التدخل الإماراتي في اليمن كان بهدف إعادة الشرعية ومكافحة الإرهاب ، والرد لا يكون بمناقشة مشروعية الشعار ذاته ، بل بفحص نتائجه البنيوية . فالتحليل السياسي لا يُحاكم النوايا المعلنة ، بل يختبر ما الذي أُنتج فعليًا على مستوى الدولة اليمنية ومؤسساتها وتوازناتها الداخلية .

وعليه، فالسؤال ليس: هل كان الهدف مشروعًا؟ بل: هل عززت الأدوات المستخدمة الدولة المركزية وأعادت لها احتكار القوة ، أم أنها أعادت تشكيل المجال السياسي داخلها وخلقت مراكز موازية؟

ومن هنا ينطلق هذا الاختبار التحليلي للفرضية
🔴 اختبار الفرضية : هل نحن أمام أمن وقائي أم إعادة تشكيل مجال سياسي؟
◾️ توصيف الحالة
السياق: انهيار الدولة اليمنية بعد 2014.
التهديد المُعلن: تمدد الحوثيين ، وصعود جماعات مصنفة إرهابية .
الفعل: تدخل عسكري ضمن تحالف ، ثم دعم تشكيلات محلية جنوبية ، ثم بروز المجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل (سياسي–عسكري) منظم ومدعوم .

🔴 المعايير الأربعة لتفكيك المشهد:
1️⃣ حدود التدخل: مؤقت أم بنيوي؟
السؤال:
هل كان التدخل مرتبطًا بتهديد محدد وانتهى بانحساره ، أم أنه أنتج بنية سياسية مستدامة؟
الواقع يشير إلى:

  • تأسيس وتدريب وتمويل قوات محلية .
  • دعم كيان سياسي له مشروع واضح (الانفصال) .
  • استمرار العلاقة والدعم عبر سنوات .

هذا يميل إلى بنية مستدامة لا إجراء أمني عابر .
لكن: البيئة اليمنية نفسها مفككة ، وبالتالي أي تدخل سيأخذ طابعًا طويل الأمد بحكم طبيعة الانهيار.
إذاً المؤشر هنا يميل نحو البنية ، لكنه لا يحسم وحده .

2️⃣ الهدف المعلن مقابل النتيجة الفعلية
الهدف المعلن:

  • محاربة الحوثي
  • مكافحة الإرهاب
  • دعم الاستقرار

النتيجة الفعلية في الجنوب:

  • نشوء كيان سياسي مستقل عن الحكومة المعترف بها .
  • تعدد مراكز القرار العسكري .
  • صدامات متكررة بين المجلس الانتقالي والحكومة .

السؤال التحليلي:
هل أدى الدعم إلى تقوية الدولة اليمنية أم إلى خلق قطب موازٍ لها؟

النتيجة الوظيفية تميل إلى تكريس ازدواجية السلطة في الجنوب .

هنا المؤشر يميل باتجاه “إعادة تشكيل المجال” أكثر من “تعزيز المركز”.

3️⃣ أثره على مؤسسات الدولة:
هذا معيار حاسم .
إذا كان الأمن الوقائي مشروعًا ، يفترض أن:

  • يقوّي الجيش الوطني .
  • يعزز الحكومة المعترف بها .
  • يوحّد أدوات القوة .

في الحالة الجنوبية:

  • ظهرت تشكيلات مسلحة ذات ولاء سياسي مستقل .
  • لم تُدمج بالكامل في هيكل الدولة.
  • أصبح الجنوب عمليًا مجال نفوذ سياسي مستقل نسبيًا .

وظيفيًا، هذا يضعف المركز
المؤشر هنا أقوى .

4️⃣ هل يعزز السيادة أم يخلق مراكز قوة موازية؟
وجود المجلس الانتقالي:

  • كيان سياسي له تمثيل خارجي.
  • له قوات على الأرض.
  • له خطاب مختلف عن خطاب الحكومة المركزية .

هذا يُنتج تعددية سيادية داخل الإقليم الواحد .
وظيفيًا، هذا أقرب إلى إعادة هندسة المجال السياسي منه إلى تحصين الدولة القائمة.

هل نحسم النتيجة؟
لا نحسم النية . لكن وفق الإطار الوظيفي الذي وضعناه:

  • التدخل تجاوز الإجراء الأمني المؤقت.
  • أنتج فاعلًا سياسيًا–عسكريًا مستدامًا.
  • أعاد تشكيل موازين القوى داخل الجنوب.
  • ساهم في ترسيخ بنية مزدوجة للسلطة .

◾️بالتالي يمكن صياغة النتيجة التحليلية كالتالي:
في الحالة الجنوبية اليمنية ، لا تشير المؤشرات البنيوية إلى تدخل ذي طابع أمني ظرفي فحسب بل إلى عملية إعادة تشكيل للمجال السياسي المحلي عبر تمكين فاعل موازٍ لبنية الدولة المركزية . فبدل أن ينتهي التدخل عند حدود تحييد تهديد محدد ، أنتج واقعًا سياسيًا جديدًا قوامه تعدد مراكز القوة داخل المجال الجنوبي ، بما يعكس تحوّلًا من منطق “الاستجابة الأمنية” إلى منطق “إعادة هندسة التوازنات المحلية”. وبهذا المعنى يصبح التدخل أقرب وظيفيًا إلى تأسيس نفوذ ممتد الأثر منه إلى معالجة خطر آني .

غير أن هذا المسار لم يتحرك في فراغ استراتيجي، إذ برز الدور المضاد للسعودية بصفتها قائدة التحالف وصاحبة التفويض السياسي الأول . فالمقاربة السعودية: اتجهت نحو الحفاظ على الإطار السيادي المعترف به دوليًا ، والسعي إلى إعادة مأسسة القرار داخل بنية الدولة اليمنية ، حتى وإن استدعى ذلك إدارة تناقضات داخل معسكر الحلفاء أنفسهم .

◾️وهنا تكمن العقدة التحليلية:
الصراع لم يكن فقط حول من يسيطر على الجنوب ، بل حول أي نموذج للدولة سيخرج من الحرب: دولة ذات مركز معترف به ، أم فضاء موزع بين فواعل مسلحة ذات شرعيات متوازية .