اليمن بين إدارة الأزمة وبناء الدولة: لماذا تتأخر اللحظة الحاسمة؟
منذ أكثر من عقد، تعيش اليمن في دائرة مغلقة من الأزمات المتراكمة، حيث باتت السياسة تُدار بمنطق “احتواء الانفجار” لا بمنطق “إنهاء الأزمة”. ومع كل جولة تفاوض أو مبادرة إقليمية أو دولية، يتجدد السؤال ذاته: لماذا تتأخر اللحظة الحاسمة لبناء الدولة؟ ولماذا يبدو أن إدارة الأزمة أصبحت غاية بحد ذاتها، لا مرحلة مؤقتة تمهّد للحل؟
في التجارب السياسية المقارنة، يُفترض أن تكون إدارة الأزمة مرحلة انتقالية قصيرة، هدفها منع الانهيار الشامل وتهيئة الأرضية لبناء الدولة. غير أن ما حدث في اليمن هو العكس تمامًا؛ فقد تحولت إدارة الأزمة إلى نمط حكم غير معلن، تُدار فيه البلاد عبر تسويات جزئية، ومقاربات أمنية، وتوازنات هشّة، دون الاقتراب الجدي من جوهر المشكلة: غياب الدولة بوصفها مؤسسة جامعة وقادرة.
المعضلة اليمنية لا تكمن فقط في تعدد الفاعلين أو تشابك الصراعات، بل في غياب القرار السياسي الواضح بالانتقال من منطق “إدارة الصراع” إلى منطق “حسم مسار الدولة”. فالأطراف المحلية، كلٌ وفق حساباته، تجد في استمرار الوضع القائم مكاسب آنية: نفوذ، أو شرعية مؤقتة، أو حضور تفاوضي. وفي المقابل، يتعامل المجتمع الدولي مع اليمن باعتبارها ملفًا لإدارة المخاطر، لا مشروع دولة متكاملة، وهو ما يفسر التركيز المستمر على التهدئة، دون استثمار حقيقي في بناء مؤسسات مستدامة.
اللحظة الحاسمة تتأخر لأن سؤال الدولة لم يُحسم بعد. هل نريد دولة مركزية قوية؟ أم دولة اتحادية حقيقية؟ أم مجرد صيغة توافقية لإدارة التوازنات؟ هذه الأسئلة تُؤجَّل باستمرار لصالح شعارات عامة عن الوحدة أو السلام، بينما تُترك التفاصيل الجوهرية معلّقة، وكأن تأجيلها أقل كلفة من مواجهتها. والحقيقة أن هذا التأجيل هو ما يراكم الكلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل.
كما أن غياب مشروع وطني جامع يُعيد تعريف العلاقة بين المركز والمحيط، وبين الدولة والمجتمع، أسهم في تعميق الفجوة بين الخطاب السياسي وواقع الناس. المواطن اليمني، في الداخل كما في المهجر، لم يعد معنيًا بخطابات النصر أو الهزيمة، بقدر ما يبحث عن دولة تضمن له الحد الأدنى من الأمن، والخدمات، والكرامة. وكلما طال أمد إدارة الأزمة، تآكلت الثقة في إمكانية قيام هذه الدولة، وتحولت السياسة إلى عبء نفسي واقتصادي على المجتمع.
إن بناء الدولة لا يبدأ من الاتفاقيات وحدها، بل من الاعتراف بأن إدارة الأزمة وصلت إلى سقفها الأعلى، ولم تعد قادرة على إنتاج استقرار حقيقي. اللحظة الحاسمة تتطلب شجاعة سياسية للانتقال من تسويات مؤقتة إلى رؤية مؤسسية واضحة، تُحدد شكل الدولة، وتوزيع السلطة، وإدارة الموارد، وآليات المساءلة. دون ذلك، ستظل كل مبادرة جديدة مجرد إعادة تدوير للأزمة بصيغة مختلفة.
اليمن لا ينقصها الحلول النظرية، بل ينقصها القرار. القرار بأن زمن إدارة الأزمة قد انتهى، وأن كلفة بناء الدولة ـ مهما بدت صعبة ـ أقل بكثير من كلفة استمرار الفراغ. وعندما يُطرح سؤال الدولة بوضوح، فقط عندها يمكن أن تتحول اللحظة المؤجلة إلى لحظة حاسمة، ويخرج اليمن من دائرة الانتظار الطويل إلى أفق الاستقرار الممكن.
