اليمن ليس خرائط تتقاسمها المليشيات… بل هوية تتسع للجميع
في زمن تتكاثر فيه الرايات الصغيرة، وتتناسل الهويات المصنوعة في المطابخ الخارجية، يصبح السؤال الحقيقي ليس:
من مع الوحدة ومن مع الانفصال؟
السؤال الأخطر هو:
من يريد وطناً؟
ومن يريد سلطة، ولو كانت فوق كومة رماد؟
اليمن اليوم لا يواجه أزمة حدود، بل أزمة معنى.
لم يعد الصراع بين شمال وجنوب، ولا بين شرعية وانقلاب، بل بين مشروعين:
▪️ مشروع يريد دولة تتسع للجميع، بهوية يمنية مفتوحة على المستقبل
▪️ومشاريع صغيرة تريد اقتلاع اليمن من جذوره وتوزيعه على خرائط الوكلاء
وهنا يجب أن نقولها بصراحة:
الهروب من الهوية اليمنية ليس حلاً…
والاحتماء بجغرافيا مصغّرة ليس خلاصاً…
والتذرع بالمظلومية لا يصنع دولة ولا يملأ فراغاً.
هناك من يعتقد ان الانفصال لعبة أطفال ولكننا سنجيب عليهم بهذه الأمثلة
هناك دول خاضت عشرات السنوات وأكثر في محاولات الانفصال، تتمتع بهوية لغوية وثقافية، ولديها مؤسسات واقتصاد، ومع ذلك فشلت لأنها لم تمتلك الشرعية الداخلية ولا القبول الدولي.
▪️كردستان العراق
استفتاء، علم، مؤسسات، دعم جماهيري واسع… عقود من محاولات الانفصال ومع ذلك لم يُعترف به دولياً. لماذا؟
لأن الانفصال ليس قرار شارع، بل قرار دولة كاملة، وتوافق وطني، وموافقة إقليمية ودولية.
▪️إسكوتلندا
لغة خاصة، تاريخ خاص، اقتصاد قوي… ومع ذلك، رغم عقود من العمل السياسي، لم تنجح بالانفصال.
الديمقراطية نفسها قالت:
الانفصال لا يمر إلا عبر اتفاق داخلي شامل.
▪️كاتالونيا في إسبانيا
هوية قوية، لغة مستقلة، اقتصاد ضخم… وعقود طويلة من محاولات الانفصال ومع ذلك سقط مشروع الانفصال أمام القانون والدستور، لأن العالم لا يشجّع تفكيك الدول المستقرة.
إذاً ، إذا كانت هذه الكيانات القوية فشلت، فكيف يمكن لكيانات هشة، مليشياوية، مرتبطة بالخارج أن تحصل على اعتراف دولي؟
وكيف لخرائط مصنوعة في غرف مغلقة أن تتحول فجأة إلى دول محترمة؟
و على الجانب الآخر هناك دول تعايشت رغم التنوع ونجحت
هناك دول ليست كاليمن… بل أشد تنوعاً، ومع ذلك تعايشت وبنت دولاً حديثة:
▪️الهند:
ديانات متعددة، عشرات اللغات، أعراق مختلفة… ومع ذلك بلد واحد، دولة قوية، لأن المشروع الوطني أكبر من اختلافاتهم.
▪️سويسرا:
أربع لغات رسمية، ثقافات متباينة… ومع ذلك نموذج للاتحاد والاستقرار والرفاهية.
▪️ماليزيا:
مالايو وصينيون وهنود… ثقافات متصادمة تاريخياً، ومع ذلك دولة واحدة بنت اقتصاداً يُضرب به المثل.
لماذا نجحوا؟
لأنهم أدركوا أن الدولة ليست هوية واحدة، بل إطار إداري وسياسي يضمن للجميع أن يعيشوا بكرامة وأمن وحياة مستقرة.
اليمن: المشكلة ليست هوية… بل من يحاول خطف الهوية
اليوم، في الشمال، تفرض مليشيا مشروع الهوية الحوثية الطائفية العنصرية بالقوة.
وفي الجنوب، تُصنع هوية على مقاس منطقة بنفس مناطقي قذر ، لا على مقاس شعب.
كلا المشروعين ليسا هوية… بل سلاح سياسي.
سلاح لإلغاء اليمن، ولتسليم البلد للممولين.
إذا جرى تقسيم اليمن اليوم، فلن تولد دول جديدة… بل محميات صغيرة تعتمد على الخارج:
• محمية فارسية في الشمال
• محمية نفطية في الجنوب
• ومجتمعات ممزقة لا يربطها شيء سوى الخوف
الخلاصة التي يجب أن نعلنها بوضوح
الوطن لا يُبنى بالهروب من الهوية، بل بإعادة بنائها.
ولا يكون الخلاص بفتح أبواب التفتيت، بل بصنع دولة عادلة تحترم الجميع.
الوحدة ليست صنماً، والانفصال ليس خيانة.
الخيانة الحقيقية هي سرقة قرار اليمنيين، وتسليم بلادهم للوصاية الخارجية تحت أي شعار.
وحين نعيد بناء الدولة، تصبح كل الخيارات مفتوحة داخل إطار وطني…
لا خارج الوطن، ولا ضده، ولا على جراحه.
