المشهد اليمني

الجيش الذي صمد والقيادة التي انهارت

الثلاثاء 9 ديسمبر 2025 07:26 مـ 18 جمادى آخر 1447 هـ
عبدالجبار سلمان
عبدالجبار سلمان

في اليمن، لم تعد المأساة مجرد دولة عاجزة أو سلطة مرتبكة؛ لقد تجاوزت ذلك إلى حالة تُشبه انقلاب الدولة على نفسها، تخلّيها المخجل عن آخر مؤسساتها الحقيقية الجيش. فكل جندي قاتل في الجبهات، وكل ضابط سقط دفاعاً عن أرضٍ لا يعرف إن كانت لا تزال أرض دولة أم مجرد مساحة تتقاسمها الولاءات، يدرك اليوم أن القيادة السياسية لم تكن تفتقد الشجاعة فحسب… بل كانت تفتقد الإرادة، والوضوح، والولاء لفكرة اليمن ذاتها. لقد رأى اليمنيون بأعينهم كيف خاض الجيش معاركه ضد ميليشيا الحوثي، لا بوصفه جيش دولة، بل بوصفه قوة مهجورة، مقاتلة بأظافرها، بينما الدولة تراقب من بعيد، تتثاءب، تتردد، وتحسب على الأصابع كم مكسباً سياسياً يمكن أن تجنيه من خسائر أبنائها. كان الجندي على خطوط النار يقاتل حتى آخر طلقة، بينما القيادات العليا تقاتل حتى آخر تبرير، وآخر تصريح، وآخر ورقة تفاوض. جبهات سقطت ليس لأن العدو كان أقوى، بل لأن الدولة كانت أضعف من أن تحمي حتى قرارها. وأي كأنها مدينة تُقاوم بأسنانها، وقائد ميداني يصرخ “أرسلوا الذخيرة”… لكن الذخيرة تُدفن في دهاليز الفساد، والإمدادات تضلّ الطريق وسط شبكة مصالح معقّدة، والقرارات تتعثر في مكاتب مترفة لا تعرف معنى جبهة ولا معنى وطن. وعندما تقدمت ميليشيا الحوثي في مواقع حساسة، لم يكن المشهد مشهداً عسكرياً كان فضيحة سياسية كاملة قيادات تتبادل الاتهامات، ومستشارون يتسابقون لإخلاء مسؤوليتهم، ووعود تُكتب على الورق بينما الرجال يسقطون على التراب. إنها ليست أخطاء حرب بل خيانة مع سبق الإصرار الإداري والسياسي. وحين انفجر الوضع في الجنوب، كشفت الدولة وجهها الآخر دولة عاجزة أمام من يفترض أنها سلطة عليها، وخائفة من أن تواجه، ومترددة إلى حدّ أن الجيش بدا وكأنه يقاتل عدواً خارجه وعدواً في داخله. تم إرسال الجنود إلى مواجهة مع قوات الانفصال، ليس من أجل حماية الجمهورية فحسب، بل لحماية هيبة دولة متداعية ثم تُركوا وحدهم، كما تُترك الشعلة في الظلام لتخفت دون أن تجد من يمدّها بالهواء. لقد كان المشهد مهيناً جيش يُؤمر بأن يثبت ودولة لا تثبت معه. جيش يُحاسَب إن انسحب ودولة تنسحب قبله من مسؤوليتها. جيش يُقال له "أنت شرعيتنا" ودولة تُثبت أنها ليست أهلاً لشرعية أحد. والحقيقة التي يتجنب السياسيون قولها هي أن الجيش لم يُهزم في اليمن بل هُزمت الإرادة السياسية قبل أن تبدأ المعارك. هُزمت الدولة حين رأت في الجيش عبئاً بدلاً من أن تراه عمودها الأخير. هُزمت حين سمحت للنفوذ الخارجي أن يتصرف في مؤسستها العسكرية كما يشاء. هُزمت حين فضّلت حسابات التحالفات الضيقة على حساب الوطن كله. إن اليمن يعيش اليوم لحظة ثورية في الوعي، قبل أن تكون ثورية في الشارع أو السلاح. الوعي بأن الدولة التي تترك جيشها، لا تستحق جيشاً يحميها. الوعي بأن الخذلان ليس قدراً، بل صنعته أيادٍ سياسية مرتجفة، ومصالح جشعة، وقيادات فقدت صلتها بالشرف العسكري والواجب الوطني. والمؤلم أن كل هذه الخيانات لم تكن خيانة لرجال الجبهات فقط، بل كانت خيانة لمستقبل اليمن نفسه. فالجندي الذي يقاتل بلا دولة، إنما يقاتل من أجل فكرة أكبر من حكامه فكرة اليمن الذي لم يولد بعد. وحين يفهم الشعب أن الجيش لم يسقط، بل سقطت الدولة من حوله، تبدأ الثورة الحقيقية ثورة الوعي، ثورة المحاسبة، ثورة استعادة القيمة المفقودة للدولة التي تُبنى على ظهر جيش، لا على ظهر بيانات سياسية خاوية. وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة، فهي أن اليمن لن يستعيد نفسه ما دامت السلطة تعتبر الجيش مجرد ورقة تفاوض، أو أداة ضغط، أو وقوداً لحروب الآخرين. ولا يمكن لليمن أن ينهض إلا عندما تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة وجيشها على مبدأ واضح وثوري الجيش ليس ذراع السلطة… بل هو ذراع الوطن. ومن يخون الجيش، يخون اليمن.