طبيب يكشف المستور عن مجازر تعز الصامتة: ”نستقبل جثثاً أسبوعياً” بسب الكهرباء التجارية!
في مشهد كارثي بات يتكرر يومياً، تتهاوى البنية التحتية للكهرباء في مدينة تعز، محولة شوارعها وأحياءها إلى حقول ألغام حقيقية تهدد حياة آلاف السكان.
فلم تعد المشكلة تقتصر على انقطاع التيار الكهربائي، بل تجاوزتها إلى الخوف الدائم من سقوط أعمدة "الكامبات" والأسلاك المكشوفة التي تنهال على المنازل والمدارس والطرقات، وسط صمت مطبق من الجهات الرسمية وفوضى عارمة في قطاع المولدات التجارية.
وشهدت المدينة نهاية الأسبوع الماضي سلسلة من الحوادث المؤرقة، حيث سقط عمود من نوع "كامبة" على سور مدرسة الوحدة، تلاه سقوط عمود آخر في حالة تهالك شديد بجوار مدرسة عقبة بن نافع في منطقة الجحملية العليا.
ولحسن الحظ، لم تسفر هذه الحوادث عن خسائر بشرية فورية، لكنها كانت بمثابة جرس إنذار ينبئ بكارثة واقعة لا محالة، إذ تحولت الأسلاك التجارية المكشوفة إلى "شبح" يطارد الأهالي، وخصوصاً مع حلول فصل الأمطار الذي يزيد من خطورة التماس الكهربائي.
معاناة المواطنين: رعب يومي وضحايا يتزايدون
يقول المواطن "رائد عبدالحكيم الشرعبي" (37 عاماً) واصفاً حال الرعب الذي تعيشه الأسر: "صرنا نخاف على أطفالنا من الخروج أوقات الأمطار أو حتى الاقتراب من أعمدة الكهرباء في الأزقة"، مستذكراً مأساة قاسية حديثة العهد "قبل أشهر توفي طفل في الحارة بسبب سلك ضغط عالٍ تجاري مكشوف، لم يكن مغطى أو عليه أي شريط تنبيه".
ولا تقف المعاناة عند حدود الخوف، بل تحولت إلى احصائيات دامية. ففي منتصف يونيو الماضي، لفظ الشاب "فواز سعيد الشرعبي" (44 عاماً) أنفاسه الأخيرة في أحد أسواق حي الباب الكبير، بعدما لامس سلكاً كهربائياً مكشوفاً أثناء محاولته المرور في زقاق ضيق امتلأت بتمديدات عشوائية المظهر، خطيرة المبنى.
وبحقيقة مريرة يروي شقيق الضحية "فؤاد" مأساتهم: "قدمنا شكوى لكنها قوبلت بالتجاهل، فلا توجد جهات تراقب أو تحاسب. الناس تموت كل يوم، ومالكو المولدات يريدون أموالهم فقط، والدولة مشغولة بأشياء أخرى".
ومع استمرار الهطول المطري، سجلت حي المسبح وفاة أخرى للشاب العشريني "مؤيد العبيدي" في 18 مايو الماضي، والذي أصيب بصعقة كهربائية قاتلة أثناء جلبه لأغراض من مخزن خلفي للبقالة التي يعمل بها، حيث كان السلك ممتداً بين الجدران بلا أي عوازل أو تدابير أمان.
المصادر الطبية: كارثة أسبوعية بلا إحصائيات
في ظل غياب الإحصائيات الرسمية الدقيقة، تشير مصادر طبية في مستشفى الثورة العام إلى أن الكارثة أكبر بكثير مما يعلن. ويؤكد طبيب في المستشفى (فضل عدم ذكر اسمه) أن "موسم الأمطار تحول إلى موسم للصعق الكهربائي، إذ نستقبل أسبوعياً إصابات خطيرة، ومعظمها ناتج عن تمديدات تجارية مخالفة وأسلاك مرتخية تعبر طرق الناس دون حواجز".
وينبه الطبيب إلى أن "المعضلة الأساسية هي غياب جهة تتحمل المسؤولية بشكل واضح، مع ضعف التنسيق بين السلطات المحلية ومالكي المولدات، وانعدام أي برامج توعية".
نشطاء وأهالي: فوضى "الخصخصة العشوائية" وصرخة استغاثة
يرى نشطاء ومتابعون على وسائل التواصل الاجتماعي أن ما يحدث في تعز ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة حتمية لغياب فرع المؤسسة العامة للكهرباء، والسماح بتشغيل مولدات بلا تصاريح وتراخيص بلا رقابة، مما جعل الكهرباء سلعة قاتلة بدلاً من خدمة أساسية.
فيما تصاعدت نبرة الغضب الشعبي، يقول المواطن "أسامة عبدالله" بصوت ملؤه الأسى: "ناشدنا الجهات الرسمية مراراً وتكراراً دون جدوى، أصبحت الكهرباء التجارية اليوم خطراً علينا أكثر من كونها منفعة".
ويضيف مطالباً بحقوقهم: "لم نطلب شيئاً كثيراً، نريد أن نعيش بأمان، لا أن نشتري الكهرباء ونشتري الموت معها. نطالب الجهات المعنية بتحرك عاجل وتطبيق معايير السلامة المهنية".
وفي ختام هذا المشهد الدامي، يواصل أهالي تعز دفع فاتورة باهظة الثمن؛ فاتورة لا تُحسب بالعملة، بل بأرواح تُفقد وأحزان تتراكم، في انتظار تحرك رسمي قد يأتي متأخراً، أو قد لا يأتي أبداً.

