الثلاثاء 28 أبريل 2026 01:58 مـ 11 ذو القعدة 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
Embedded Image
×

تهامة بين خيام النازحين وخطابات السياسيين

الأربعاء 11 مارس 2026 08:46 مـ 22 رمضان 1447 هـ
عبدالجبار سلمان
عبدالجبار سلمان

في كل عام، ومع حلول شهر رمضان، تتجه أنظار الناس نحو قيم الرحمة والتكافل والوقوف مع الضعفاء والمحتاجين. غير أن الواقع في تهامة يكشف مفارقة مؤلمة؛ فبينما يعيش أبناء المنطقة أوضاعًا إنسانية صعبة، تنشغل كثير من القيادات التي تتحدث باسمهم بصراعات النفوذ وتقاسم المواقع والمصالح، أكثر من انشغالها بقضايا الناس ومعاناتهم اليومية. لقد رفعت ما تُسمّى بالشرعية اليمنية منذ سنوات شعارات استعادة الدولة وحماية المواطنين، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ماذا قدمت فعليًا لأبناء تهامة ؟ وما الذي قدمه أولئك الذين يرفعون صوتهم باسم هذه المنطقة المنسية عمداً وبشكل ممنهج ؟ وهل انعكس وجودهم في مواقع القرار على حياة الناس الذين يدّعون تمثيلهم ؟ الحقيقة التي يدركها الكثير من أبناء تهامة هي أن الخطاب شيء، والواقع شيء آخر تمامًا. فبدلًا من توحيد الصف والعمل على تخفيف معاناة الناس، دخلت بعض القيادات في صراعات داخلية حول المناصب والسلطة والنفوذ. أصبح الحديث يدور حول من يتولى المنصب، ومن يسيطر على الموارد، ومن يكون “القائد” على أبناء تهامة، وكأن القضية تحولت من مشروع إنقاذ منطقة منهكة إلى سباق على الامتيازات والمكاسب. وفي الوقت الذي تدور فيه هذه الصراعات، تبقى الأسئلة الإنسانية الكبرى بلا إجابة كم مرة زار هؤلاء أسر الشهداء الذين سقطوا في المعارك ؟ كم مرة طرقوا أبواب الجرحى الذين فقدوا أطرافهم أو صحتهم ؟ كم مرة جلسوا مع أسر المعتقلين الذين ينتظرون خبرًا يخفف عنهم سنوات الألم ؟ وكم مرة ذهبوا إلى مخيمات النازحين ليروا بأعينهم كيف يعيش آلاف التهاميين في خيام لا تقي حرًّا ولا بردًا ؟ رمضان، الذي يفترض أن يكون موسمًا للتكافل والاقتراب من الناس، يكشف حجم الفجوة بين الخطاب السياسي وواقع المجتمع. فبدلًا من مبادرات حقيقية لدعم الأسر المنكوبة أو مشاريع تخفف معاناة الفقراء، يزداد حضور الخطابات الإعلامية والبيانات السياسية التي لا تغيّر شيئًا في حياة الناس. إن أخطر ما يواجهه أبناء تهامة اليوم ليس فقط الفقر أو الحرب، بل تحويلهم إلى مجرد أدوات في صراعات الآخرين. فالشباب يُطلب منهم أن يكونوا وقودًا للحرب، وأن يخوضوا معارك قاسية، بينما يظل الرابح الأكبر في كثير من الأحيان هو القيادات التي تزداد نفوذًا وثروةً كلما طال أمد الصراع. هذا الواقع يطرح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد هل المطلوب من أبناء تهامة هو التبعية العمياء فقط ؟ أم أن من حقهم أن يسألوا ويحاسبوا ويطالبوا بقيادات صادقة تضع مصلحة المنطقة فوق المصالح الشخصية ؟ إن تهامة ليست مجرد جغرافيا أو مورد اقتصادي يتنافس عليه المتصارعون، بل هي مجتمع حيّ له تاريخ طويل وثقافة عميقة وأبناء قدموا تضحيات كبيرة. ومن الظلم أن تتحول هذه التضحيات إلى سلّم يصعد عليه البعض نحو السلطة والمكاسب. اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج أبناء تهامة إلى خطاب مختلف؛ خطاب يضع الإنسان أولًا، ويعيد الاعتبار لقيم المسؤولية والمحاسبة، ويجعل من خدمة المجتمع معيارًا حقيقيًا للقيادة، لا مجرد الشعارات. فالقضية لم تعد من يتحدث بإسم تهامة، بل من يخدمها فعلاً.