الثلاثاء 28 أبريل 2026 02:01 مـ 11 ذو القعدة 1447 هـ
المشهد اليمني
رئيس التحرير عبد الرحمن البيل
Embedded Image
×

‏بين معركة تحرير صنعاء ومساومات التقسيم.. الشاب خالد نموذجا

الأربعاء 25 فبراير 2026 01:43 صـ 7 رمضان 1447 هـ

في تعليقه على الصحفي اليمني الكبير سمير اليوسفي، قال وزير الخارجية الأسبق خالد اليماني، إن دعم "استقلال الجنوب" هو الشرط للشراكة في تحرير صنعاء من الحوثيين وعودة ملايين اليمنيين من خصوم الحوثي إلى منازلهم..!
دعونا بداية نتفاعل مع مضمون هذا الطرح، وسنؤجل الحديث عن الأخ خالد حتى نهاية المقال، فأنا أحتاج لتقديم نصيحة.
ما قاله خالد في تغريدته على موقع (X) ليس جديدا، سبق أن سمعناها من ناشطين مطالبين بتقسيم اليمن، بل يمكن القول إن أحد أسباب تأخير تحرير صنعاء هو حرص بعض التيارات الجنوبية على انتزاع تنازل يمني يضمن تفكيك الدولة قبل تحرير صنعاء.
عندما يتم ربط المشاركة الفاعلة في معركة استعادة صنعاء بالاتفاق مسبقا على مسار يقود إلى تحقيق الانفصال، فهذا يعني تحويل حرب التحرير إلى أداة ابتزاز، وهذا يعني أن إطالة أمد المعركة وافشال جهود تحرير صنعاء فيه مصلحة لمن يساوم ويحول صنعاء إلى ورقة مساومة.
بمعنى آخر، عندما يتم ربط معركة تحرير اليمن من هيمنة الحوثيين، بشرط القبول –أولا- بمسار الانفصال، فنحن هنا لسنا أمام خلاف سياسي مشروع بل ابتزاز تفاوضي وخيانة لمئات الآلاف من القتلى الذين سقطوا بسبب الحوثيين وبسلاحهم.
هذا الطرح غير الأخلاقي يعني استغلال لمعاناة ملايين الجياع والمرضى والمهجرين اليمنيين في الشمال والجنوب والشرق. وهو يعني من جهة أخرى أن استمرار الانقسام واطالة زمن الحرب فيه مصلحة للطرف الذي يساوم ويفاوض ويرى أن تحرير صنعاء فيه خطر عليه مالم يتم منحه ما يريد قبل حدوث ذلك. وأليس هذا ما يفعله الحوثيون؟ الابتزاز السياسي والطائفي باستخدام الحرب ومعاناة الناس؟
يتساءل بعض إخواننا وأحبتنا المطالبون بالتقسيم، لماذا يركز بعض الشماليين اليوم على ما يحدث في عدن وتركوا معركتهم الوجودية؟
والجواب بكل بساطة.. عندما يقال لليمنيين إن الشراكة في استعادة عاصمة البلاد مشروطة بقبول مسبق لانفصال الجنوب، فهذا يعني إضافة تهديد آخر للوعي الجمعي. وبعدما كانت الحرب ضد عدو وجودي، يقف إلى جانبه شريك داخلي يستخدم معركتنا المصيرية كورقة ابتزاز وضغط.. يحدث هذا والدماء مسفوكة على الأرض وقومنا في صنعاء وأخواتها رهائن لدى العصابة..!
بعيدا عن المثالية، مثل هذا الطرح يجعل كثير من الناس يخلطون بين العدو الوجودي المتمثل بالحوثيين، وبين الأخ الذي يحاول ابتزازهم في هذه المرحلة الصعبة. وهذا تحول مفهوم لأن ما يحدث يوقظ الشعور بالخيانة والإهانة معا، فيدفع الكثير للتركيز على مصدر الابتزاز قبل مواجهة العدو.
وبالرغم من إن هذا التحول مفهوم نفسيا، لكنه مدمر استراتيجيا للشمال والجنوب والشرق. لأنه سينتهي بتفكيك الجبهة المناهضة للحوثيين. فهو يحول الصراع من معركة لاستعادة الدولة اليمنية إلى صراع داخل الصف الوطني.. وهذه كارثة لا يقبل بها إلا من كان يريد انتصار الحوثيين في النهاية.
تحويل الحرب ضد الحوثيين لورقة ابتزاز، ليست خيانة للقوى الوطنية اليمنية الرافضة للحوثيين فقط، بل للشريك والحليف الأهم وهي المملكة العربية السعودية التي دخلت اليمن بهدف واضح ومعلن منذ مارس 2015 والمتمثل في إنهاء هيمنة الحوثيين على الدولة اليمنية وتأمين الحدود والملاحة الإقليمية والحفاظ على المصالح المشتركة. وهو هدف موثق في بيانات التحالف العربي وقرارات مجلس الأمن الدولي.
وهذا يعني أن الشراكة مع أي مكون يمني تقوم على قاعدة توحيد الجهود لهزيمة الحوثيين واستعادة الدولة اليمنية، لا تحويل الحرب إلى ساحة ابتزاز ينتهي بتفكيك اليمن من خلال خطوات أحادية كما أراد المجلس الانتقالي.
عندما تربط المشاركة في معركة استعادة صنعاء بقبول الانفصال كما أشار الشاب خالد آنفا، فهذا لا يُقرأ كخلاف داخلي وحسب، بل كخطوة متعمدة لإعاقة تحقيق الهدف من تدخل المملكة العربية السعودية في اليمن وتصوير هذا التدخل وكأنه يسعى إلى تمزيق اليمن وفوق هذا فان مثل هذا النوع من الابتزاز السياسي يعني إطالة أمد الحرب والمعاناة لليمنيين وزيادة الهموم على الأشقاء في المملكة.
استخدام هذا النوع من الابتزاز لا يضر باليمنيين الوحدويين فقط، بل يصيب أهلنا في المحافظات الجنوبية بضرر كارثي طويل الأمد. لأن الدخول في خلاف على شكل الدولة قبل استعادة الدولة نفسها يعني ادخال المناطق المحررة في حالة من التيه والتخبط. لا حرب تُحسم ولا مؤسسات تُبنى ولا استقرار يحدث وهذا يعني قتل الاستثمار وإعاقة الاعمار وحرمان الناس من الخدمات وأبسط احتياجاتهم الأساسية بل ويجعل الأمن هشا ويهدد تماسك الجنوب نفسه.
"سياسة الابتزاز" التي يستخدمها اتباع المجلس الانتقالي المنحل لن تضر القيادات المطالبة بتقسيم اليمن، لأن لديها خياراتها وملاذاتها الآمنة داخل اليمن وخارجه، لكن المواطن في جنوب اليمن وشرقه وغربه وشماله هو الذي سيحرم من الماء والكهرباء وفرص العمل والأمن والاستقرار بسبب هذا الوضع. وفوق هذا كله يصعب حدوث تقسيم معترف به دوليا مالم يحدث إتفاق بين كل القوى الوطنية في الشمال والجنوب وفق مسار دستوري واضح بعد تحرير صنعاء.
أمام "سياسة الابتزاز"، يرى كثير من اليمنيين أن من حقهم بل ومن واجبهم الوطني رفض مقايضة معركة وجودية مثل استعادة عاصمة بلادهم، بقبول تفكيك الدولة. اليمن دولة معترف بها وأي نقاش حول شكلها لا يتم إلا عبر عملية سياسية ودستورية شاملة بعد استعادة مؤسساتها، لا كشرط مقابل أداء واجب وطني ينقذ حياة وكرامة وعقيدة ملايين اليمنيين.
خضوع النخبة اليمنية في الشرعية (الشمالية والجنوبية والشرقية) لابتزاز ربط تحرير صنعاء بضمان تقسيم اليمن لاحقا، لا يحل المشكلة وليس لصالح أحد، ولا يمنح التقسيم صفة قانونية ولا يمكن أن يصنع توافقا وطنيا، بل يقدم رقاب كل اليمنيين هدية للحوثيين والفوضى والارهاب.
القبول بهذا الابتزاز يعني نسف أساس تمثيل الدولة كوحدة سياسية معترف بها دوليا، ويحول الحرب من معركة لاستعادة الدولة، إلى معركة لتوزيع النفوذ وتقسيم اليمن، وفي هذه الحالة سنمكن الحوثي من الذريعة الأخطر التي يمكن من خلالها تجريد الحكومة من شرعيتها المعترف بها. فمن يقبل بتفكيك الدولة لا يمكنه الادعاء بتمثيلها، وأن الحرب لم تعد من أجل استعادة الدولة بل حرب مشاريع داخل دولة انتهت صفتها القانونية من خلال الاتفاق على تقسيمها مسبقا.
الخضوع أمام "سياسة الابتزاز" والقبول بتقسيم الدولة قبل استعادة الدولة نفسها، يعني تجريد أنفسنا من "الاعتراف الدولي"، ويفتح الباب أمام ما يوصف بـ "الاعتراف بالأمر الواقع"، وهو ما يمنح الحوثيين مساحة وقدرة على تحسين شروطهم التفاوضية. أي أن هذه الخطوة تضعف الشرعية وتحول معركة التحرير إلى تقويض ذاتي للدولة ومنح طوق نجاة للحوثيين. وهذا بطبيعة الحال ما يجعل الشمالي يرفض الحديث عن شكل الدولة دون استعادة كل التراب اليمني.. فكيف يُطلب من الشمالي أن يسلم رقبته للحوثي بنفسه؟!

في الختام، دعوني أقدم نصيحة لإخواننا في جنوب الفؤاد:
الذين فشلوا في تقديم شيء للشمال والجنوب والشرق والغرب أثناء ما كانت السلطة معهم، لن يقدموا لكم شيئا وهم خارجها. الذين كانوا وحدويين داخل السلطة، وبدلوا جلودهم إلى انفصاليين عندما خرجوا منها أمثال خالد اليماني، سيتسببون في الضرر لأنهم ببساطة انتهازيون بلا قيم.. لا فائدة من أعقاب السجائر.