السعودية…ظروف التأسيس وآفاق الريادة
لم يكن العامل الديني - على أهميته - المؤثر الوحيد في نشأة الدولة السعودية، في مراحلها المختلفة، بل إن العوامل الاقتصادية والاجتماعية كان لها أثر كبير في نشأة تلك الدولة التي أسسها أمير الدرعية حينها محمد بن سعود يوم 22 فبراير 1727، وهو التاريخ الذي اعتمد مؤخراً يوماً وطنياً.
بعد سنوات من تأسيس الإمارة جاء "اتفاق الدرعية"، بين الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب عام 1744، لتنطلق الدولة السعودية الأولى إلى آفاق أوسع، في مسيرتها نحو توحيد مناطق نجد في ذلك الوقت.
ولا شك أن توافق الرجلين كان له دور في حماية دعوة الشيخ وتعضيد دولة الأمير الذي أصبح إمامًا، في أبرز أمثلة التعاضد الديني والسياسي في كيانات الممالك والدول.
وعلى مدى قرون، انتقل سكان نجد من مرحلة "الترحل البدوي"، إلى مرحلة "الاستقرار القبلي"، ثم "الاستقرار الأسري" في عدد من الحواضر النجدية.
وقد كان لهذا الانتقال دور في تهيئة الحواضر النجدية لنمط حياة يقوم على الانتماء للأرض أكثر من الانتماء للعرق، حيث تجتمع أسر من أعراق قبلية مختلفة في حاضرة واحدة، تجمعها المصالح الاقتصادية وتصهرها العوامل الاجتماعية في بيئة أقرب لكيان الدولة منها لكيان القبيلة، وهو ما أدى إلى مراكمة قوة اقتصادية ومكانة اجتماعية لدى بعض الأسر المتحدرة من أصول قبلية، الأمر الذي ساعد على سيادة تلك الأسر على بعض الحواضر النجدية آنذاك، معتمدين على بيئة المجتمع الزراعي المستقر، على عكس بيئة الصحراء التي تنتج محتمعاً غير مستقر، وغير مؤهل لتأسيس كيانات سياسية مستقرة.
وقد عرف سكان البيئة البدوية بنفورهم غالباً من الانقياد لأية سلطة دينية أوسياسية، كما أنهم يميلون للاحتكام للعرف القبلي، أكثر من ميولهم للاحتكام للشريعة الدينية، الأمر الذي جعل بداية ميلاد الكيانين المتلازمتين الديني والسياسي في حواضر نجد لا بواديها، وهذه الخصيصة لا تقتصر على الدولة السعودية والدعوة الوهابية، ولكنها حقيقة في الكيانات السياسية والدعوات الدينية التي تجد في بيئة الحضر مكاناً مناسباً للتأسيس، آخذين في الاعتبار ولادة الأديان الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام في بيئات حضرية، وإن كانت محاطة بالبيئة الصحراوية البدوية.
ومن المعلوم أن الإسلام تحديداً بدأ في مكة البلدة التي مارس أهلها مهنة حضرية، هي التجارة، ثم انتقل إلى المدينة التي اعتمدت على مهنة حضرية أخرى، هي الزراعة، مع ممارسات تجارية، شكلت بيئة مناسبة لتوسع الدين، وتأسيس الدولة التي تناسبها البيئات الحضرية الزراعية والتجارية المهيأة لفرض حكم القانون وتنظيم المعاملات، وتوفير الاستقرار الذي تميل إليه تلك البيئات، بغرض حماية مصالحها المتراكمة، من هجمات سكان البيئات الصحراوية المحيطة، كما يرى الدكتور خالد الدخيل في كتابه "الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة".
إن البيئة الحضرية تقوم على تطوير أنماط حياة تجارية معتمدة على محيطها الزراعي المحاط بدوره ببيئة بدوية تمثلها قبائل أو فروع قبائل مختلفة، تعتمد نمط الحياة البدوية في الظعن والارتحال، ما يتطلب وجود سلطة حضرية تمنع هجمات البيئة البدوية التي تشكل عناصر ثورة وتمرد، في يد الطامحين السياسيين، في مهاجمة حواضر نجد والسيطرة عليها، كما هو شأن "دولة الأخيضريين" الذين استعانوا بالقبائل البدوية لتوطيد حكمهم في اليمامة، قبل الدولة السعودية الأولى.
ومع بروز نفوذ عدد من الأسر الحضرية في حواضر نجد ظهرت إمارات متعددة في تلك الحواضر، منها إمارة ابن سعود في الدرعية، البلدة التي أسسها الأمير مانع بن ربيعة المريدي الحنفي سنة 1446، قبل أن يتولى محمد بن سعود إمارتها ويجعلها عاصمة الدولة السعودية الأولى.
وبما أن عدداً من الأسر "تأمّرت" في بعض حواضر نجد، وبما أن تلك الأسر دخلت في صراعات متعددة، فإن الدعوة الوهابية كان لها دور في صهر تلك الحواضر المتعددة الصراعات، والكيانات السياسية الصغيرة، في إطار دولة مركزية واحدة، إذ عملت على رأب صدع تلك الخلافات لصالح مركزية الدولة التي بدورها وفرت الحماية الأمنية لتلك الدعوة ودعاتها الذين جابوا مناطق واسعة في نجد، داعين إلى "التوحيد الديني" الذي كان له دور في حركة "التوحيد السياسي" التي قادها محمد بن سعود.
وقد اكتمل توافر الشروط الاقتصادية والاجتماعية لنشأة الدولة السعودية الأولى في الدرعية، مع مرور نجد بقرون من الإعمار في حواضرها المختلفة بفعل الهجرات القبلية والأسرية، والتمازج الحضري الذي راكم موروثاً مدنياً هيأ لبروز الدولة السعودية الأولى، في الدرعية، ومن ثم مهد لتوسعها، بضم حواضر وبوادي مختلفة في نجد آنذاك، مع ملاحظة أن هذا التراكم - في شقه السياسي - يمكن أن نؤصل له إلى ما قبل الإسلام، حيث كانت "مملكة اليمامة"، آنذاك نموذجاً لميلاد الكيانات السياسية في البيئات الحضرية: الزراعية والتجارية، وهي الشروط التي هيأت لقيام الدولة السعودية الأولى التي أحدثت أثراً كبيراً على سكان نجد والجزيرة العربية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، قبل أن تنتهي على يد إبراهيم باشا، سنة 1818، بعد قرابة قرن من السيطرة والتوسع.
وبعد سنوات من سقوط الدولة السعودية الأولى أسس الإمام تركي بن عبدالله آل سعود الدولة الثانية في الرياض، بعد دمار العاصمة الأولى في الدرعية، واستمرت تلك الدولة حتى عام 1891، حيث أدت الصراعات الداخلية إلى إضعافها، ومن ثم سقوطها. ويمكن اعتبار هذه الدولة امتداداً للدولة الأولى، دون فروق واضحة، إلى أن جاء الملك عبد العزيز آل سعود ليؤسس للدولة السعودية الثالثة التي بدأت مع توحيد أقاليم نجد والإحساء والحجاز وحائل وعسير في كيان جديد أطلق عليه المملكة العربية السعودية، عام 1932، حيث كانت المرة الأولى التي تطلق فيه تسمية "السعودية" على تلك الأقاليم الواسعة من الجزيرة العربية.
وإذا كان للعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية دور في ولادة الدولة السعودية الأولى - كما يرى الدكتور الدخيل - فإن تلك العوامل استمرت تهيئ الأرضية لميلاد الثالثة مع تداخل عوامل داخلية وخارجية وظفها بذكاء عبدالعزيز آل سعود في بناء هذا الكيان العربي الكبير.
ومع تدفق النفط حدثت انتقال واضح في السعودية على مستويات عدة سياسياً واقتصادياً واحتماعياً، قبل أن تتجه المملكة إلى تقليل الاعتماد على إيرادات النفط، وتطوير إمكاناتها الاقتصادية المختلفة، وفتح أبواب الاستثمار، وما سبق ذلك ورافقه من اهتمام بالجوانب العلمية والتكنولوجية، حيث رفد إيفاد عشرات الآلاف للدراسة في الخارج، رفد المؤسسات السعودية بخبرات إدارية وعلمية أصبحت تنافس نظائرها في الدول المتقدمة، مع الانفتاح أخيراً على التكنولوجيا الدقيقة والذكاء الاصطناعي، وعمليات توطين الاستثمار واستقطاب الشركات العالمية، واعتماد الحوكمة الرقمية، ومكافحة الفساد، وهي الإجراءات التي ربما دخلت بها السعودية ما يمكن أن يكون "السعودية الرابعة" التي تتشكل ملامحها، مع انتقال الحكم من جيل الأبناء إلى جيل الأحفاد، وهو الانتقال الذي رتب له العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، متفادين بذلك الأزمة التي واجهتها السعودية الثانية، لتترسخ بذلك تقاليد حكم هو مزيج من الموروث الديني والتقاليد العربية العريقة، مع حركة تحديث مؤسساتي كبير، تشهدها الإدارة في دولة تتكئ على تراث واسع من الحكم والنفوذ الروحي والسياسي والاقتصادي، مع تعاضد "التوحيد الديني"، و"التوحيد السياسي"، في بنية تلك الدولة.

