بيان الاشتراكي والناصري تكرار لبيانات ما قبل حرب 94
انشرFacebookTwitterWhatsAppEmailCopy LinkPrintTelegram
في الرابع من نوفمبر من العام الماضي (2024) أنشأ اثنان وعشرون حزباً ومكوناً سياسياً ما سمي حينها بـ"التكتل الوطني" لمواجهة مليشيا الحوثي واستعادة الدولة وإنهاء الإنقلاب، والحفاظ على النظام الجمهوري، وقبله كان هناك مكون أنشئ عام 2016 بذات التسمية لكنه أفرغ من محتواه وتكتله وتبخر حتى أعيد الإعلان عن التكتل الجديد في التاريخ المذكور.
كان من بين هذه الأحزاب الحزب الاشتراكي اليمني والحزب الناصري، ومقاطعة المجلس الانتقالي وتراجعه عن الانضمام في اللحظات الأخيرة بعد أن أعلن أنه سيكون ضمن هذا التكتل حينها.
منذ إنشاء هذا التكتل يسير الحزبان -الاشتراكي والناصري- عكس هذا التكتل ولم يشتركا في بياناته المختلفة الصادرة عنه، وإن اشتركا –أحياناً- فهما أكثر الأحزاب عرقلة لإصدار بيان موحد، ولم يصدر بيان شامل يكونا بين الأحزاب الموقعة عليه إلا وقد فرغاه من محتواه بعد تعديلات ومماطلة كثيرة تكون الأحداث قد تجاوزت زمنها وفقدت زخمها.
يوم أمس الأول أصدر هذا التكتل بياناً يوضح موقفه من الأحداث الأخيرة التي جرت في حضرموت، وكان بياناً متأخراً، الأصل أن يصدر في اليوم الأول لغزو حضرموت والمهرة من قبل الانتقالي، لكنه جاء متأخراً، ولم يشترك الاشتراكي والناصري والقوى الشعبية في هذا البيان، مما حدا بهذه الأحزاب الأخيرة إصدار بيان متأخر ومنفرد عن التكتل العام، وكأنهم صاروا يقفون ضده لإفشاله كما أفشلوا من قبل اللقاء المشترك بعد حكومة الوحدة الوطنية المنبثقة عن التغيير في 2012 حينما رأوا أن اللقاء المشترك قد فقد الغاية التي من أجلها أنشئ التكتل، كما قيل يومها!
الملاحظ أن هذه الأحزاب تقف ذات الموقف من غزو حضرموت والمهرة اليوم كما وقفت مؤيدة لغزو مليشيا الانقلاب الحوثية لصنعاء في 21 سبتمبر 2014 وبنفس المبررات؛ تحت مبرر إجراء "عملية قيصرية" أو "قوى فتية استطاعت التغيير"!
وأنا أقرأ بيان هذه الأحزاب وجدته لا يختلف عن بياناتها وذات التبريرات في المراحل المفصلية والأحداث الجسيمة للبلاد كما في أزمة 1993 و1994 قبل الحرب، ونفس البيانات أيضاً في سبتمبر 2014 أثناء الانقلاب الحوثي على الدولة.
كنت معايشاً لأحداث أزمة الفترة الانتقالية قبل وأثناء حرب صيف 94 وحتى اليوم، وأنا أتابع باهتمام بالغ، وموثق لتلك الأحداث والمحطات كمؤرخ معايش لا كسياسي منحاز لأي طرف، مواقف هذه الأحزاب سواء وهي متحالفة تحالفاً ثنائياً قبل الحرب وبعدها، أو متحالفة بعد ذلك في فترة اللقاء المشترك وهي تنحو منحىً مختلفاً عن ما تعلنه من تلك التحالفات، أو تحالفاتها المبطنة مع الحوثي أثناء وبعد حرب صيف 94 وحتى الانقلاب المشؤوم ووصولاً إلى اليوم في التحالف الأوسع في هذا التكتل الهش رغم إطاره الأوسع ومكوناته الأكثر!
دعوني فقط أركز على ثلاث نقاط هامة في كل البيانات المشتركة في المراحل التاريخية المختلفة، وهي: تبرير أحداث الانقلابات وشرعنتها، وتحميل السلطة القائمة الأسباب رغم أنها شريكة في السلطة وليست في موقع المعارضة، والثالثة وهي الأهم: تحميل القوات المسؤولية وتبرير قتالها!
في بيانات عامي 1993 و1994 كانت كل السهام كنقاط في تلك البيانات تتجه لتبرير كل أعمال الشغب والتمرد والتظاهر ضد السلطة القائمة –رغم شراكتهما فيها- وبحجة قمع الحريات، وكذلك بحجة إخراج المعسكرات من المدن!
في الفترة السابقة كانت كل سهامهم (الاشتراكي والناصري والأحزاب الإمامية المختلفة وبداية ظهور الحوثي) تتجه صوب الفرقة الأولى مدرع فقط على الرغم من أن هناك معسكرات مختلفة داخل صنعاء كالحرس الجمهوري والأمن المركزي وغيرها، إلا أن الفرقة هي كابوسهم الذي يجب أن يبيدوه بأية وسيلة وبمختلف المبررات، وحبكوا حولها آلاف القصص لشيطنتها ونبذها.
في تلك الأثناء كانت معسكرات الاشتراكي (الطرف الآخر للسلطة والوحدة) تتربع أهم المواقع في المدن المختلفة كمعسكر باصهيب في ذمار، ومعسكر صلاح الدين في عدن، ومعسكر اللواء الثالث مدرع في عمران، ومعسكر آخر في القفلة وحرف سفيان للاشتراكي.
كنت أعرف كل تلك المعسكرات تمام المعرفة، وكنت حين أتابع بيانات هذين الحزبين لإخراج المعسكرات من صنعاء أنظر إلى ما وراء هذه الدعوة بحسب تهديد لعلي سالم البيض لصنعاء بعد انقلاب 13 يناير عام 1986 في عدن بالانتقام من صنعاء على اعتبار أنها دعمت علي ناصر محمد في الانقلاب ضد الحزب الاشتراكي.
وكنت كلما زرت هذه المعسكرات أدرك خطورة هذه الدعوات؛ فهك يريدون إخراج الفرقة وغيرها بينما هم يطوقون العاصمة صنعاء من بواباتها الثلاث؛ ذمار وعمران، في الوقت الذي توجد لهم كتائب أخرى في معسكر الفرقة ذاتها!
بعد أحداث 2011 أحيت هذه المطالب مجدداً وتم تبني حملات إعلامية مختلفة صوب الفرقة، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها هم والحوثيون بمبرر أن تتحول إلى حديقة الثورة تحت مسمى حديقة 21 مارس وهو تاريخ إعلان تأييد قائدها -اللواء حينها- علي محسن صالح لثورة الشباب 2011، وظل هذا المطلب هو الأول وعلى رأس قائمة اهتمام تلك الأحزاب، رغم أننا كنا نوضح خطورته كإخلاء أمام الغزو الحوثي والانقلاب، وهو ما تم بعد ذلك.
في غزو الانتقالي لحضرموت تبدلت المسميات والمناطق لكن الأهداف كانت واحدة؛ المطالب بإخراج المنطقة العسكرية الأولى من حضرموت، وأنها تتبع علي محسن، وأنها قوات احتلال على الرغم من أنه تم الاستجابة لتلك الضغوط سابقاً وتم إقالة قائدها الجنوبي إبن محافظة أبين اللواء صالح طيمس وأركان حربها العميد يحيى أبو عوجاء، وقبلها كان قائدها العميد الحليلي قائد موالي للرئيس الأسبق صالح وليس للواء علي محسن الأحمر؛ إلا أن عقدة علي محسن، أو لنقل المبرر الظاهر للغزو كان سيد الموقف على الرغم من أن قائدها جنوبي هو اللواء صالح الجعيملاني والذي عين خلفاً لطيمس!
هذه المطالب لم تكن لتقتصر على المنطقة العسكرية الأولى في حضرموت، في الوقت الذي يتم السكوت عن المنطقة الثانية في ذات المحافظة كونها موالية للانتقالي، بينما العاصمة عدن ولحج وأبين وشبوة تعج بمعسكرات الانتقالي ولا يتم مقارنتها بذات الطلب والدعوة التي يصرون فيها على المنطقة العسكرية الأولى!
وهي نفس المطالب التي يطلبون بها في بوابات تعز اليوم على الرغم مما تمثله هذه المواقع العسكرية للجيش الوطني والمقاومة الشعبية في حماية المدينة من الغزو الحوثي وهي مناطق تماس وأكثر حساسية يصد فيها الجيش أي تقدم للحوثي تجاه المدينة!
يقيمون الدنيا ولا يقعدونها، وهذه المرة مع مكون طارق عفاش والمتربصين بتعز، لإخلاء المساكن في هذه الجبهات، وهذا موضوع آخر سأفصل فيه لاحقاً، مما يثير الشكوك حول تماهي هذه الدعوات والمطالب مع الأجندة الحوثية وكأن أصحابها جبهات إعلامية وسياسية متقدمة للمليشيا الحوثية في تعز!
في بيان الاشتراكي والناصري واتحاد القوى الشعبية كان أهم فقرة فيه هي "إن الأحداث الأخيرة ما كان ينبغي أن تقع لو أن مجلس القيادة الرئاسي اضطلع بواجباته الدستورية والقانونية التي أقسم أعضاؤه على الالتزام بها، وعمل على إنهاء الانقسام السياسي والعسكري وتنفيذ التدابير اللازمة الواردة في اتفاق الرياض وإعلان نقل السلطة، وفي مقدمتها إخراج القوات العسكرية من المدن بقرار يصدر عن القائد الأعلى بعد توافق أعضاء المجلس".
وهذا هو لب البيان؛ ففي الوقت الذي يمثل فيه الانتقالي بثلاثة أعضاء في المجلس الرئاسي، وهم المسيطرون على الأرض، وهم من يقود الانقلاب والأحداث المختلفة ضد الشرعية وتفتيت الصفوف وإعاقة التوجه العام نحو التحرير وحرف البوصلة ضد المليشيا الحوثية إلا أن البيان برر لهم الانقلاب والغزو على الرغم من دس السم في العسل في إدانة الغزو إدانة ناعمة، بينما الاشتراكي هو الخلفية السياسية الداعمة للانتقالي والانتقالي هو الوجه الظاهر للاشتراكي!
اتضح لاحقاً أثناء غزو الانتقالي لحضرموت أن المنطقة العسكرية الأولى سلمت دون قتال، وسحبت كل ذرائع الانتقالي وداعميه مما كانوا يروجون له، ومع كل جولة من الغزو لن يعدموا الذريعة ولا المبرر لفرض أمر واقع.
الحزب الناصري أصدر بياناً آخر مغلفاً باسم مقاومة الحجرية يتماهى مع هذا البيان ويعززه، ولكن هذه المرة بوجهه العسكري؛ على اعتبار أن جهة إصدار البيان الجناح المسلح للناصري في الحجرية، وهو تقزيم قروي لهذا الحزب الذي ظل يتشدق بالوحدة القومية العربية المتجاوزة للأوطان القطرية إلى الوحدة العربية!
وكأن الزمن قد توقف بهؤلاء عند عقدة حرب 94 وصاروا لا يرون كل الأحداث اليمنية إلا من ثقبها الضيق على الرغم من أنهم من بدأوها وكنا قد غرر علينا باتباعهم في تلك الفترة ولم نفق إلا حينما أزاح علي سالم الستار والغشاوة عن أعيننا ورأينا الأهداف الحقيقية من كل تلك الأزمة المصطنعة أولاً والتي غذاها صالح باغتياله كوادر الحزب حينها مما أعطى وقوداً دافعاً لها أظهرت الحزب بمظهر المظلومية المعتدى عليه حتى كسب كل التعاطف الشعبي وحتى العسكري لنا حينها، قبل أن يطفئ البيض ذلك التعاطف بإعلان الانفصال مما رجح الكفة عليه.

