مفارقة صنعاء: ارتفاع صارخ في أسعار المهور وسط أزمة معيشية خانقة.. احتجاج أم حماية؟
في خطوة وصفتها مصادر محلية بـ"الغير مسبوقة" و"الاحتجاجية"، فرض أهالي حي حدة القديمة في العاصمة اليمنية صنعاء، التي تخضع لسيطرة مليشيا الحوثي، قواعد جديدة لأسعار المهور والخطوبات، تتسم بارتفاعها الصارخ، في ظل انهيار اقتصادي حاد وتوقف كامل لرواتب الموظفين.
هذا التحول، الذي يأتي على عكس المتوقع في الأزمات الاقتصادية حيث تنخفض التكاليف، يثير تساؤلات حول طبيعته: هل هو شكل من أشكال الاحتجاج الاجتماعي، أم آلية لحماية الفتيات في مجتمع يعاني الانهيار؟
وثيقة رسمية وشروط قاسية
وبحسب وثيقة رسمية تم تداولها، نُسبت إلى "قاعدة تيسير الزواج لأهالي منطقة حدة القديمة"، تم تحديد أسعار الزواج بشكل إلزامي لجميع سكان الحي. الوثيقة، التي تحمل طابعاً رسمياً وتوقيعات، حددت الرسوم على النحو التالي:
- رسوم الخطوبة: 300,000 ريال يمني للبكر، و150,000 ريال للثيب (من سبق لها الزواج).
- المهر والشرط: 1,500,000 ريال يمني (مليون ونصف) للبكر، و750,000 ريال للثيب، وهو ما وصفته الوثيقة بـ"القاطع المقطوع".
- الجزاء المخالف: فرض غرامة مالية قدرها 500,000 ريال يمني على كل من يخالف هذه القواعد.
هذه الأسعار الباهظة تأتي في وقت يُعاني فيه المواطن اليمني في المناطق الخاضعة للحوثيين من تدهور هائل في مستوى معيشته، حيث انهارت قيمة الريال أمام العملات الأجنبية، وتوقفت السلطات عن صرف رواتب موظفي الدولة منذ سنوات، مما خلق أزمة إنسانية ومعيشية طاحنة.
تفسيرات وتحليلات للأسباب الخفية
المراقبون يرون أن هذا القرار، على غرابته، هو تعبير عن أزمة أعمق في بنية المجتمع اليمني. ويقدم الخبراء والمحللون عدة تفسيرات محتملة لهذه الظاهرة:
-
احتجاج اجتماعي غير مباشر: يرى بعض النشطاء الاجتماعيين أن رفع أسعار المهور بهذا الشكل هو رسالة احتجاجية واضحة إلى السلطة الحاكمة. فمن خلال جعل الزواج تكلفة باهظة وشبه مستحيلة، يقوم المجتمع بشكل غير مباشر بإيقاف دورة الحياة الطبيعية، مما يعكس يأسه من عدم قدرة السلطة على توفير الحد الأدنى من شروط العيش الكريم. إنها وسيلة لقول "لا نستطيع بناء أسر جديدة في هذا الواقع المأساوي".
-
آلية حماية للفتيات: في ظل الفقر المدقع والبطالة المتفشية، يخشى الآباء على مستقبل بناتهم. قد يكون رفع المهور وسيلة لردع الشباب الذين لا يملكون مصدر دخل مستقر من الاقتران، وبالتالي حماية الفتيات من الدخول في أسر فاشلة اقتصادياً، مما يعرضهن لمزيد من المعاناة والفقر. المهر المرتفع في هذه الحالة يصبح شبكة أمان اجتماعي، وإن كانت قاسية، للمرأة.
-
تضخم القيم مقابل انهيار العملة: مع انهيار قيمة الريال اليمني، قد يجد البعض أن هذه الأرقام الكبيرة لا تعكس بالضرورة قيمة حقيقية مرتفعة، بل هي مجرد تعديل رقمي يواكب التضخم الهائل. ومع ذلك، فإن حجم المبالغ المحددة لا يزال يمثل عبئاً هائلاً على غالبية السكان.
تداعيات مستقبلية على النسيج الاجتماعي
هذا القرار، إن تم تعميمه أو تكراره في مناطق أخرى، قد تكون له تداعيات خطيرة على النسيج الاجتماعي اليمني. من المتوقع أن يزيد من معدلات "العزوبة القسرية" بين الشباب، ويرفع من نسب الطلاق، وقد يدفع بالشباب إلى البحث عن بدائل غير تقليدية، بما في ذلك الهجرة غير الشرعية أو الانضمام إلى الجماعات المسلحة كمصدر للدخل.
ويبقى السؤال الأهم: هل مثل هذه المبادرات الشعبية، التي تنبع من صميم المعاناة، قادرة على لفت انتباه السلطات أو إحداث أي تغيير في سياساتها الاقتصادية الكارثية؟ أم أنها مجرد صدى لصرخة يأس في وادٍ من الانهيار، ستزيد من تفكك مجتمع يحاول الصمود في وجه عقود من الحروب والفقر؟
الوثيقة الصادرة عن أهالي حدة، بصرف النظر عن جدواها القانونية أو قدرتها على التنفيذ، تبقى شاهداً حياً على مدى العمق الذي وصلت إليه الأزمة اليمنية، وحولت أبسط مظاهر الحياة الاجتماعية، مثل الزواج، إلى ساحة للصراع والاحتجاج.


