الحاردلو بين الفاشر وحضرموت
الحاردلو شاعر سوداني بدأ حياته معلّمًا في السودان ثم انتقل إلى حضرموت في الستينيات الميلادية لم يكن انتقاله فعل هجرة بالمعنى الجغرافي إنما كان عبورًا ثقافيًا كاملًا . حمل معه لغة لا سلاحًا وثقافة لا سردية صدام . في حضرموت لم يكن دخيلًا ولا غازيًا مثلت العلاقة إضافة متبادلة: الشعر السوداني منح المكان رِقّةً وإيقاعًا وحضرموت أعادت تشكيل هذه الرقة عبر ذائقتها وميزانها ومخيالها ، كان الانتقال آنذاك إنتاجًا لما يمكن تسميته “الحضارة الصغرى” تلك التي لا تلغي المكان ولا تزاحمه فهي تتداخل معه فتغنيه .
أما اليوم: فنحن أمام انتقال من نقيض هذا المعنى تمامًا . من الفاشر لا تخرج اللغة بل الدم ، لا تنتقل الرؤيا بل عدوى العنف ، وبصورة أشمل استنساخ مرضي للفوضى . لم يعد الأمر احتكاك ثقافات ولا تفاعل أطراف بل تهريب أزمة من جغرافيا مأزومة إلى جغرافيا هشة وكأن العبور فقد دلالته الحضارية وتحول إلى قناة تصريف للخراب .
هذا النموذج المشترك الذي يتجسد سياسيًا وأمنيًا في نمط يتكرر من الفاشر إلى حضرموت . فعندما نضع الحالتين تحت عدسة التحليل نجد قاسماً مشتركاً كونهما أمام قوة محلية مسلحة تقدم بوصفها “مدافعة عن الحقوق” تعمل خارج منظومة الجيش الوطني ونسق الدولة وتُمنح شرعية أمنية موازية للدولة . هنا لا يجري دعم الأمن بمعناه المؤسسي بل إحلال وظيفة الدولة بقوة بديلة تُغلف تدخلها بخطاب الضرورة وتباشر فعلها خارج أي عقد اجتماعي جامع .
هذه القوى لا تحمل تصورًا للدولة ولا مشروعًا وطنيًا بل تقوم على ولاء شبكي يتداخل فيه المال والسلاح والحماية . يتحول السلاح من أداة دفاع أو ردع إلى وسيلة لإدارة المجتمعات بالقسر ، وتصبح القوة هي اللغة الوحيدة التي تُفرض بها الوقائع ومع الوقت لا ينتهي العنف ، بل يُعاد تدويره جغرافيًا: صراعات يُزعم تحييدها ثم يُنقل فائضها إلى ساحات جديدة وهكذا ، إنها إدارة للفوضى عبر النقل لا عبر الحل وإبقاء دائم للأقاليم في حالة توتر تسمح باستمرار الفاعل المسلح .
وفي هذا السياق تُسيَّل الهويات المحلية بوصفها أغطية تعبئة ، في الفاشر استُخدمت الانتماءات القبلية وفي حضرموت تُستدعى خصوصيات المكان بذاكرة معتلة ، الهوية هنا ليست غاية ولا حماية للذات لكنها غلاف تعبوي لقوة تبحث عن شرعنة حضورها . وما إن تترسخ هذه الممارسات حتى تتحول إلى عدوى خشنة تُطبع العنف وتصدّر السلوك وتحوّل الجغرافيا إلى سلسلة أشراك لتوليد حالة العنف في كل مرة .
على هذا النحو نحن لا نواجه حالات منفصلة أو أزمات معزولة بل نموذج تهديد متنقل بالعدوى يقوم على تفكيك الدولة وتمكين الفاعل المحلي المسلح ، وتسويق ذلك كحل أمني مؤقت يبدأ دائمًا بحجة الاستقرار وينتهي بشكل مشوه لنتوء سلطة ، والخطر الحقيقي إذا لم يتم وصفه بما يستحق والتصدي له في مراحله الأولى سيصبح التعاطي معه في مراحله المتقدمة أكثر كلفة وله تداعياته المعقدة .
*عن حساب الكاتب على منصة إكس

